آخر تحديث: 25 / 6 / 2019م - 8:28 ص  بتوقيت مكة المكرمة

السيستاني والسعودية.. علاقات لمواجهة الطائفية

حسن المصطفى * العربية.نت - إنجليزي

في العام 2005 كنت في زيارة لمدينة قم الإيرانية، حيث مقر الحوزة العلمية، بمعية د. عبد الجبار الرفاعي، رئيس تحرير مجلة ”قضايا إسلامية معاصرة“، وأحد أهم الأسماء التي ساهمت في تقديم قراءة حديثة ومختلفة للنص الديني.

ذهبنا أنا ود. الرفاعي من أجل لقاء السيد جواد الشهرستاني. الشخصية الدينية القوية، وممثل المرجع الديني السيد علي السيستاني.

استقبلنا الشهرستاني بحفاوة كبيرة، وأخذنا إلى مجلسه الخاص، حيث بقينا نتبادل الحديث حول قضايا المنطقة وتحديدا العراق. وفي نهاية اللقاء، حملني رسالة إلى شخصية إعلامية سعودية مرموقة، أبدى فيها تقديره لها، وما تكتبه من مقالات حول الشأن العراقي، وهو باسم ”المرجعية“ يوجه له دعوة خاصة لزيارة مدينة قم، ليطلع بشكل مباشر على المؤسسات العلمية والخيرية التابعة لآية الله السيستاني، وما تمارسه من أعمال.

شكرت السيد الشهرستاني على حفاوته، وبعد أيام وقصدت صديقنا الذي حملني الرسالة له، حيث أبلغته إياها، مبديا امتنانه للدعوة الكريمة ومعتذرا بأدب عن تلبيتها لارتباطاته العملية وانشغالاته.

إبان عهد العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز، قصد مبعوث خاص من الملك، العراق، وتحديداً مدينة النجف. وهنالك وغير بعيد عن مرقد الإمام علي بن أبي طالب - الذي يكتسب أهمية كبيرة وقداسة لدى المسلمين الشيعة - توجه المرسول الملكي لمقابلة السيستاني، في لقاء خاص تم ترتيبه بعناية ودون ضجيج إعلامي، لأن الهدف كان تأسيس علاقة ثقة واحترام بين الرياض والنجف، تساهم في محاربة الطائفية وحقن دماء المسلمين.

المبعوث الملكي أبلغ المرجع السيستاني سلام الملك عبد الله وتحاياه، وإشادته بمواقفه النابذة للتطرف والطائفية، مقدرا له ”عروبته“ فيما يصدر عنه من تصريحات. مضيفا أن خادم الحرمين الشريفين يوجه له دعوة رسمية لزيارة المملكة، وأنه سيكون في ضيافة الديوان الملكي.

السيد السيستاني، شكر للملك عبد الله رسالته، وأكد على مواقفه الداعمة لوحدة المسلمين، ورفضه الاحتراب الطائفي، وأهمية الحفاظ على السلم الأهلي. مقدرا الدعوة الملكية الكريمة، ومعتذرا عن عدم استطاعته تلبيتها لأسباب صحية.

المسؤول السعودي الرفيع الذي يسرد لي قصة رسالة الملك عبد الله بن عبد العزيز لآية الله السيستاني، يضيف في حديثه قائلا: ”المملكة تقدر للسيد السيستاني مواقفه في محاربة الطائفية، وكيف أنه أفتى بحرمة عمليات القتل والثأر بين السنة والشيعة“. مضيفا ”نحن نحترم استقلال شخصية السيد السيستاني في كونه مرجعية دينية لا تخضع للإملاءات السياسية، وتنتهج خطا مستقلا عن السياسة الإيرانية، وتحافظ على عروبة الشيعة العرب، وتحصنهم من الوقوع في الصراعات الإقليمية، كما هو موقف السيستاني الرافض لتوريط الشيعة في الصراع الدائر في سوريا“.

هنالك رغبة في التواصل، وبناء علاقات جيدة، قائمة على الثقة والاحترام. ذلك ما يمكن استنتاجه من الحكايتان أعلاه، واللتان يتم الإفصاح عنها بشكل علني لأول مرة. وهذا يعكس وجود يد ممدودة من النجف والرياض، إدراكا من الطرفين للخطر الذي يهدد المنطقة بسبب الصراع المذهبي في العراق وسوريا وسواهما من البلدان العربية.

ما يؤكد وجود هذه الرغبة في إيجاد حل للمشكلة ”الطائفية“، القصة التي رواها رئيس الجمهورية العراقية فؤاد معصوم، في حوار مع جريدة ”الحياة“، مبينا أن السيد السيستاني شدد على ضرورة توثيق العلاقات مع السعودية، لأن ”هذا الأمر يصب في مصلحة العراق“. مضيفا أنه حمل آراء المراجع الشيعية الى الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز، الذي وصف السيد السيستاني بأنه "رجل عاقل وحكيم وفاضل.

”السيد السيستاني ومرجعية النجف، ضمانة اعتدال، وضمانة حماية للشيعة العرب“، بحسب رجل الدين اللبناني السيد هاني فحص، والذي أكد في حديث معه في شقته ببيروت، على أن السيستاني صمام أمان للتعايش بين السنة والشيعة في محيط عربي مضطرب.

طالما كانت مرجعية النجف بعيدة عن التدخل في تفاصيل الحياة السياسية. إلا فيما يتعلق بالقضايا الكبرى التي تمس السلم الأهلي وكيان الدولة ومصالح الناس وحفظ النفس من القتل، والوقوف في وجه الظلم والطغيان.

حتى بعد مشاركة الأحزاب الدينية الشيعية في الحكومة العراقية بعد سقوط نظام صدام حسين «2003» بقيت الحوزة العلمية في النجف مستقلة. كما أن المرجعيات وعلى رأسها السيد السيستاني تصرح بأنها لا تريد ”دولة دينية“ وهي قاطعة اكثر بأنها لا تريد ”دولة شيعية“ وانما كما تقول مصادر المرجعية العليا المباشرة فهي تشدد، كما فعلت خلال وضع الدستور الجديد قبل سنوات، على دولة مدنية تعددية"، كما يروي الصحافي اللبناني جهاد الزين، الذي زار مدينة النجف والتقى مرجعياتها العام 2010.

رغم تواضع منزله، وضيق مساحته، والظروف الأمنية الصعبة، يحافظ المرجع السيستاني على تقليد دائم، وهو مقابلة عدد من الزوار القادمين من دول مختلفة لزيارة مرقد الإمام علي ابن أبي طالب. حيث يجلس القادومون بعد إخضاعهم للتفتيش الأمني، في صالة صغيرة، ليخرج لهم السيستاني ويلقي عليهم موعظة سريعة، تناسب طبيعة الحضور وجنسياتهم.

الشيخ حبيب آل جميع، رجل الدين الشيعي السعودي، ورئيس تحرير مجلة ”الساحل“، والذي زار منزل آية الله السيستاني مرات عدة في النجف، يقول إن السيستاني دائما ما كان حريصا على أن يوجه الشباب والزائرين إلى ضرورة ”احترام النظام“، وأن المسلمين الشيعة يجب عليهم ”الحفاظ على مكتسباتهم الموجودة لديهم في دولهم، ويعملون في تقديم مطالبهم بالطرق السلمية والقانونية تحت سقف الدولة“. مبينا أنه كثيرا ما يوصي الناس ب ”ضرورة الاندماج في أوطانهم، وأن لا يخضعوا لمحاور وأجندات إقليمية، وأن يتعايشوا مع إخوانهم أهل السنة، فالسنة هم أهلنا وإخواننا، بل أنفسنا“.

حتي فيما يتعلق بالحركات المطلبية والحقوقية، يبين الشيخ آل جميع، أن المرجع السيستاني ”لا يؤيد الصدام مع الحكومات، ويدعوا إلى احترام الأنظمة والدساتير، كما أنه من دعاة الدولة المدنية“.

وفيما يتعلق بالحرب الأهلية في سوريا، ومشاركة عدد من الفصائل الشيعية المسلحة هناك، مثل ”حزب الله“ اللبناني أو ”كتائب أبو الفضل العباس“ العراقية، فإن المرجع السيستاني كان له موقف مختلف ومتحفظ، فهو ”لا يفضل ولا يؤيد الانخراط في الحرب الدائرة في سوريا“، بحسب ما بينته أوساط قريبة من مرجعية النجف، مبينة أنه يعتب أن ”من يقتل في الدفاع عن مقام السيدة زينب ضمن محيطه الضيق هو“ الشيهد ”فقط، لا عموم الأراضي السورية“. وهذا يوضح استقلال السيستاني عن السياسة الإيرانية.

المرجع السيستاني حث العراقيين على مساعدة المهجرين من مدن الموصل والرمادي وصلاح الدين وغيرها، قائلا ”قدموا لهم المأوى والمال والطعام دون أن تسألوهم هل هم شيعة أم سنة أم غير ذلك“، مضيفا ”عندما هجم داعش ومن يدفعهم على مدن العراق، وقتلوا وعاثوا فساداً أفتيت بوجوب الدفاع عن النفس والمقدسات وجوباً كفائياً ضد الأجانب وليس ضد العراقيين من إخواننا أهل السنة.. وأنتم الآن حينما تقاتلون في الرمادي وغيرها إنما تقاتلون دفاعاً عن إخوانكم لكي تخلصوهم من داعش ولستم فاتحين، بل تضحون بأرواحكم ودمائكم كي تنصروا إخوانكم ضد الدخلاء“.. هذه المواقف تأتي هي الأخرى في سياق الحفاظ على السلم الأهلي، ولتضع حد لأي تجاوزات واعتداء على المدنيين العزل لأسباب طائفية.

هذا من شأنه أن يقود إلى القول بأن علاقة متزنة بين المرجعيات الإسلامية الكبرى، ذات الرؤية العميقة بعيدة المدى، من شأنها أن تساهم في ترسيخ مفهوم التعايش بين المكونات المختلفة، تحت سقف الدولة المدنية، التي تكفل للجميع حرية المعتقد، دون إكراهات، ودون أي تمييز.

المقال ترجمة عن النص الأصلي باللغة الإنجليزية في موقع العربية نت إنجليزي.

Sistani and Saudi Arabia: Relations to face sectarianism

http://english.alarabiya.net/en/views/news/middle-east/2016/06/19/Sistani-and-Saudi-Arabia-Relations-to-face-sectarianism.html