آخر تحديث: 13 / 4 / 2021م - 1:51 م

حول الإيديولوجيا ومآلاتها

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

الإيديولوجيا، في أصلها الفرنسي، تعني علم الأفكار، لكنها ربطت لاحقاً، باليوتوبيا. وحسب بول ريكور، ظلت المزاوجة قائمة بين المفهومين، على الرغم من انتماء الأيديولوجيا، إلى علم الاجتماع والسياسة، بينما تنتمي اليوتوبيا إلى التاريخ والأدب. لكن ريكور وضع مقاربة أخرى للمفهومين، ربط بها الأيديولوجيا مع الواقع والعلم، بينما نظر إلى اليوتوبيا باعتبارها حلماً أو خيالاً دالاً على رغبة.

وفي التراث السياسي العربي، ارتبطت الأيديولوجيا بنشوء الحركات السياسية وبمبادئها. وهي في هذا السياق، تشير إلى منظومة فكرية، أو عقيدة، أو ذهنية. وقد استخدمت في السنوات الأخيرة، بعد سقوط الحرب الباردة باعتبارها دوغما. بمعنى آخر، باتت الأيديولوجيا في الأدب السياسي العربي، لما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي تعني التعصب لفكرة ما، ورفض ما سواها من الأفكار. وأحياناً تحيل إلى التعصب العقائدي، وهي بهذا المعنى رديفة للتحيز. فيقال على سبيل المثال، إن فلاناً من الناس، ينظر إلى الأمور نظرة أيديولوجية، بمعنى أنه يؤوّل الوقائع، بكيفية تظهرها دائماً مطابقة لما يعتقد أنه الحق.

لكن الأمر كما أشرنا، لم يكن كذلك أثناء حقبة انتعاش الحركات القومية واليسارية، حيث كان مريدو تلك الحركات يفاخرون بانتماءاتهم، ويدافعون عنها، ويرون أنها وسيلة تحقيق التطور والتقدم في مجتمعاتهم. إلا أن ذلك لم يكن دائماً موضع إجماع، فقد كان هناك أناس مناصرون للأيديولوجيا، باعتبارها نظرة شاملة للكون، ومعارضون، يرونها معوقاً للانطلاق نحو عالم وفكر أرحب.

وفي هذا الاتجاه، يرى نديم البيطار، أن هناك بنية أساسية واحدة، تعيد ذاتها في جميع الأيديولوجيات التاريخية المتكاملة الجوانب، سواء كانت دينية، أو علمانية، تعيد ذاتها في فكرة المجتمع الجديد التي قالت بها المذاهب السياسية والأيديولوجيات الجديدة. وعربياً، أعادت إنتاج ذاتها في ما يعرف بالإسلام السياسي.

وحسب البيطار، فإن الأيديولوجيات التاريخية متكاملة الجوانب يمكن اختزالها في نمطين. نمط ميتافيزيقي، يجد الحقيقة النهائية خارج التاريخ، وآخر يجد الحقيقة في التاريخ. ورغم الاختلاف بين النمطين، فإنهما يعودان إلى بنية أساسية واحدة، تعيد ذاتها، في وضع تاريخي متشابه.

ومن وجهة نظرنا، فإن توصيف الأيديولوجيات بالانغلاق، هو قول غير تاريخي، ذلك لأن الصراع بين الأفكار، هو حالة تاريخية. هناك صراع فكري مستمر بين رؤيتين: رؤية منفتحة، وأخرى منغلقة. وقد كان ذلك هو الواقع مع المذاهب السياسية الوضعية، كما هو أيضاً مع العقائد والمذاهب الدينية. والأفكار هي في النهاية استجابة وتعبير عن واقع موضوعي، ترتقي في لحظات النهوض، وتتراجع في لحظات الضعف.

هكذا كان التاريخ دائماً، منذ القدم. فالإبداع والمبادرة رديفان للتقدم والنهوض، والجهل والتعصب رديفان للجهل والتخلف. وقد شهد سقوط الحضارة اليونانية، بروز الفلسفة الأبيقورية واللا أدرية، التي ارتبطت بسقوط أثينا، وبروز فلسفات مهزومة تدعو إلى التعويض باللذة بدلاً من العمل. وكان ذلك نقيض فلسفة سقراط وأرسطو وأفلاطون، الفلسفات التي برزت وانتعشت أثناء توهج حضارة الإغريق.

ولم يكن الأمر بعيداً عن ذلك في الأفكار التي شهدتها الحضارة العربية الإسلامية، وخلال العهدين الأموي والعباسي. وليس كتاب «تهافت الفلاسفة» لأبي حامد الغزالي، و«تهافت التهافت»، لابن رشد، سوى تعبير عن صراع الأفكار، في اتجاه نظرية الدورة التاريخية، وانسحابها على الفكر أيضاً.

وفي التاريخ العربي المعاصر، نشأت الأيديولوجيات السياسية، كانعكاس لأفكار تلاقحت مع الفكر الإنساني العالمي، وتماهت مع شعاراته. وكانت حركة اليقظة العربية تأثرت بشعارات الحرية والاستقلال، وطمحت إلى الخلاص من السيطرة العثمانية، مؤسسة لهوية عربية معاصرة، تتسق مع الأفكار الحديثة التي ارتبطت بالتحولات السياسية الكبرى، في القارة الأوروبية. وحين طعنت النخب العربية في حلمها بتشكيل دولة عربية عصرية، بدت الأبواب مفتوحة لحركات الإسلام السياسي.

وعلى المستوى الدولي، ورغم الضجيج العالي، حول نهاية الأيديولوجيا، لكن ذلك زيف كشف عنه الترويج للثقافة الواحدة، والفكرة الواحدة وللنظام الواحد، والشعارات المتلفعة بالحرية والديمقراطية، بأنماطها الرأسمالية المختلفة، ولن يطول مهرجانه.

وفي الصين درس المؤتمر الشيوعي الأخير، أهمية حضور العقيدة الشيوعية، العالمي، ونشر الفكر الاشتراكي، بنسخته الصينية، على مستوى العالم، لأن ذلك سيسهم في تعضيد قوة الصين الاقتصادية. ولن يكون بعيداً اليوم، الذي تكون فيه العقيدة الصينية قادرة على التنافس مجدداً مع العقيدة الرأسمالية، يعاد فيه للأديولوجيا، حضورها في الوطن العربي. فقد كنا باستمرار، مستهلكين لكل شيء، وسنظل كذلك، ما بقينا صدى واهناً، وغير فاعل في التحولات الفكرية التي تجري في هذا العالم.