آخر تحديث: 12 / 4 / 2021م - 12:22 ص

أحجية المطر

قصة قصيرة

موسى الثنيان

كلّما هطل المطر صعدتُ مسرعةً إلى غرفة ولدي في الطابق العلوي، قالوا لي إنه مات وهو يدافع عن أرضه وكرامته، لكنني أنتظر قدومه مع كلّ لحظة أو قطرة مطر، أضع على الطاولة كوبين من القهوة، وما هي إلا لحظات ويأتي ولدي، آخذه إلى صدري أتشبّث بجسده مخافة أن يهرب مع قطرات المطر، أقبّله بلهفة...

قلت: لا تذهبْ، يا بُنَيَّ عن أمك، على الأقلّ حتى تأتي أختك وتراك، فهي لا تصدّق أنك تأتي مع المطر وتتّهمني بالتوهّم والمرض! قال: لن تراني. قالها بجزم قاطع، ثمّ قال: لن يكتمل عرس دمي ويورق الربيع إلا بعد أن تعود الكرامة والحقوق لأهلها، بعد قليل صعدت ابنتي إليَّ كعادتها ألحظ في وجهها الشّفقة عليَّ، أحيانًا تبكي وهي تمسح بقايا القهوة الذي تركته على الطاولة وتُلملم أوراقي التي نسجتُ فيها أشعاري الممزوجة بالدموع... أشفق عليها أكثر مما تشفق عليَّ، حاولت إقناعي غير مرّة، قالت: ولِمَ مع المطر؟! قلت: لأنه يروي الأرض والنّخل والقمح. قالت محاولة تفنيد فكرتي: وفي الصّيف!! قلت: ينمو مع الرّطب. زيَّنتُ جدران البيت بصور ولدي، مؤطّرة بإطار مليء بالزهور ومكتوب على شريط أسود «شهيد»، لكنّ هذا لم يُجْدِ نفعًا من قتل ابني في خلدي..

ذات يومٍ ماطرٍ كعادتي في غرفة ولدي مشرعة بالنّافذة التي تطلّ على شجرة الليمون، كان هناك عصفورة تحضنُ بيضها رغم المطر وبرودة الطقس، شاهدت ولدي أكثر من مرّة يرقب تفريخ بيضها... جاءتني ابنتي فلاحظتُ في تقاسيم وجهها ظلامًا تنفر منه حتى الخفافيش، قالت لي برجاء: متى تُفيقين يا أمي؟. كأني لم أسمع حديثًا، قلت: كان عندي هنا وأخبرني أن البيض سيقفس بعد ساعة، نظرت إليَّ، فقرأتُ في عيونها أمارات صدق كلامي، كما وأنها سئمت وحدتها وتودّ العيش في خيالاتي، ترقبّت البيض بإصرار غريب، أفرخ البيض منشقًّا من ذلك العالم الصغير، تكاد عيناها تقفز من محجريها من فرط الدهشة، ارتمت على صدري وهي تجهش بالبكاء، أدركت من حينها أن بدأت تفهم الحقيقة ولكني لا أظنّ أنها ستراها...

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
عبدالباري الدخيل
[ تاروت ]: 21 / 2 / 2021م - 9:44 م
قصة جميلة وفكرة رائعة
سلم قلمك الجميل
2
موسى الثنيان
[ القطيف ]: 23 / 2 / 2021م - 5:33 م
تسلم أستاذ عبدالباري
ألف شكر لك