آخر تحديث: 13 / 4 / 2021م - 6:18 م

حين تمتلئ الكؤوس وتفيض القلوب

سهام طاهر البوشاجع *

يصعب سكب المزيد على ما يوجد في داخل الكأس الممتلئ بما يحويه، إذ يكون حينها قد وصل إلى حد الامتلاء، وما يزيد عن هذا الحد يفيض على الأرض ويذهب هباء.

وهكذا يبدو الواقع لا فلسفة ولا مزيد من التبريرات، حيث تصل بنا بعض قضاياه وأموره إلى حد التشبع، ومزيدا من النقاش فيها يفقدها اتزانها وبواطن معانيها وربما حتى يصل إلى إضعاف أهدافها فيحبطها وينهيها.

كالحديث مع صديق عن شخص تراه أنت ودود في حين يراه هو عكس ذلك، فهو أشبه بتلك الكؤوس الممتلئة لاسيما وإن تكرر حديثك في إقناعه به لساعات وأيام طويلة دون أن تستطيع تغيير رأيه، وحينها فقط تكون قد وصلت معه إلى حد الإشباع الذي ما إن زدت في نقاشه عَكَسَ ما كنت تتوقع أو تأمله منه.

كثر اللغط والهرج والمرج في أيامنا هذه عن ذلك الفيروس الصغير غير المرئي، الزائر الثقيل، الذي ما إن مر على أحد وأثقل مروره بل وأطال زيارته حتى أنهى حياته، وأحيانا يشفق عليه فيجعله تحت أجهزة التنفس وسوائل التغذية بين الحياة والموت، غريب التصرف هذا، أحيانا يمر مرور الكرام إذ لا يخدش من مر من خلاله ويذهب لغيره ثم غيره ثم غيره وهكذا يمر ولا يضر، الأمر الذي جعل الناس تَكتب مقالات وتُسمع خطابات وتتكهن بمخططات وتُبرر حالات حتى امتلأت بالفعل قلوب الناس وبدأت بالفيضان على أرواحها، تارة تهم بها فتكسوها هم الحزن من الخوف وتارة تهم عنها فتشعرها بالأمان، رغم الخطر المحدق بها دون وضوح أو بيان.

ذاك يقول كورونا خدعة، وذاك يقول كورونا حقيقة، وأولئك يقولون كورونا باقية معنا إلى يوم القيامة، ومنهم من يقول ستفرج بعد عام أو عامين وقد تختفي إلى الأبد.

البعض يقول لا تأخذ اللقاح فمضاعفاته تميت، وآخرون يطمئنون ويقولون كلها كأعراض الإنفلونزا خفيفة وباردة بإذن الله فلا تجزعوا وبادروا بأخذه.

سمعت ذات مرة زوجة أخي تقول ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا وقال جارنا لأبي لا تتباطأ في أخذ اللقاح حتى تنعم بالعيش المريح دون خوف الإصابة بهذا الفيروس اللعين ودون حمل هم الاحترازات كلما غدوت أو أتيت، ولكن هذا لم يكن رأي عمتي، فقد عمدت على شراء كل أنواع المعقمات والكمامات من السوق ومن جل أنواع الصيدليات.

وحين يعيش أبن أخي حياة المطمئنين إذ نراه أحيانا ينسى أخذ الكمامة في البيت بعد أن يخرج بسيارته وينتصف مسافة الطريق ليعود مرة أخرى لأخذها وقد اعتلت على محياه ابتسامة كأنها تحكي وتقول: اعذروني نسيت الأمر واشتقت لحياتنا السابقة.

أي كؤوس تتحمل أكثر من هذا، وما الكؤوس هذه إلا قلوبنا التي امتلأت وفاضت بعد أن وصلت حد الإشباع. ولعلها لم تصل بعد إلى حقيقة المرض الذي يصول ويجول حولنا وكيفية السيطرة عليه، إلا أنها ملت وتعبت من الحديث فيه وتجاوزت حد الإشاعة إلى التشويه المركب الذي اختلطت فيه الأكاذيب والحقائق معا لدرجة أننا لم نعد نصدق عنه بخبر جديد أو نتيجة قطعية، فما زالت الصحف تضج كل يوم بنوع جديد من اللقاحات وبمسميات نكاد لا نعرف أن نلفظها بسهولة، وكل يدلو بدلوه.

هل جاء عصر يكون فيه الإنسان ”حقل للتجارب“ دون أن يصرح بذلك؟ أم أنها حقائق وتجارب عكف عليها أطباء وعلماء ينتظرون فقط كلمات الشكر والثناء من العامة والخاصة نظير ما قدموه وأنقذوا به العالم أجمع من كارثة بيولوجية حلت عليه فجأة وبدون سابق إنذار.

ما زلت أقول إن القلوب امتلأت كما تمتلئ الكؤوس وما عدنا نعرف من أين نبدأ؟ أنفرغ قليلا منها وتهدأ نفوسنا للمزيد من الطمأنينة؟ أم نجعلها تفيض وتفيض معها قلوبنا حتى يحدث الله بعد ذلك أمرا وينجلي مع سواد أزمة نعيشها بكل تفاصيلها وفي كل يوم، صغيرة كانت أم كبيرة.

أحداث نقرأها فنمضي نكمل حياتنا بعدها وأحداث نتوقف عندها لأنها بلغت حد التجاوز العادي وأوغرت في نفوسنا حزنا عميقا إما لفقد قريب، أو حبيب، أو جار، أو آباء، وأمهات، أو أخوة، وأخوات.

حقيقة واحدة نعرفها وكأس واحد لم يمتلئ بعد فما زال يستوعب كل ما يسكب فيه هو الإيمان، والرضا، والتسليم بالقضاء، والقدر.

كاتبة ومحررة في صحيفة المنيزلة نيوز