آخر تحديث: 13 / 4 / 2021م - 6:18 م

عدوّ واحد أنفع من ألف صديق - سلسلة خواطر متقاعد

عداتي لهم فضلٌ عليَّ ومنّة
فلا أبعد الرحمنُ عنّي الأعاديَا

هموا بحثوا عن زلَّتي فاجتنبتُها
وهم نافسوني فاكتسبتُ المعاليَا

خلف كل مرآة سطحٌ معتم، ولولا هذا السطح القاتم اللّون لما عكست لنا المرايا أشكالنا واستفدنا منها في تصحيحِ هندامنَا وتَنظيم ملابسنا ثم اكتشاف عيوب مظهرنا. هكذا يبدو - بعض - الأعداء أنّ فيه قسوة ونقد وحدّة، فلا غنى عنه، ومن ذا الذي يستطيع أن يخلد للاستئناس بروحه، ليجلس في البيت ويستغني عن الناس؟! ومن منا لا يذكر ذلك الطفل الذي كان يعتبره شقيًّا في الصغر وقاسيًا في اللعب، لكنه كان يعيننا قهرًا على تحسين مهاراتنا ويحثنا على الفوز.

هذا النوع من الأعداء - الشرفاء - غير القاتل جسديًّا أنفع من الصديقِ المصدِّق، الذي يشبه المرايا المتعددة الأوجه، كلها تعكس الأشكالَ والأضواءَ الباهرة، فلا نعرف في أيِّها ننظر، وبالتالي لا نستفيد من صفائها كما لا نستفيد من ودّ الصديق الودود سوى المجاملة ونعومة الملمس.

للمبدعين أعداء في كلِّ مهنة حتى قيلَ ”عدوّ المرءِ من يعمل عمله“، وهذا ما يرتقي بالإبداع إلى أعلى درجاته. ومن يشك في فوائدِ العداوة النافعة فلينظر كيف تطورت الصناعةُ والتجارة والزراعة، وكلُّ اختراعات البشر حين يتكاثر هذا النوع من الأعداء. هي من أنواع العداوة المفيدة للأفراد والمجتمعات، وإن ألبسناهَا لبوسَ المنافسة.

حين نخاف من الأعداء - الشرفاء - ندرك ما لا ندركه في وقت الأمنِ والدعة، فمن منا يرغب في المشي عدواً إلا حين تضطره الحاجةُ للجري والسعي؟ وإلا الهوينى هو مشينا. وهذا الشيطان - أكبر عدوٍّ لنا - له فوائد فإذا ما عرفنا حقيقةَ عداوته قوّينا جنبةَ الحذر والحيطة وحرَّكنا إرادتنا في الطاعة، شرط أن لا نعتبرهُ صديقًا ونسقط أمامه!

من الأعداء من يجعلونا أكثر نقدًا وتصحيحا لأنفسنا، وأشد حرصًا في تقصي عيوبنا. إذا ما مشوا الهوينى حثَّينا الخطى، وإذا ما حثَّوا الخطى شددنا الهمّة. هم حقًّا أنفع من الأصدقاء الذين يمشون في صفِّنا في الخَفضِ والدَّعة، يوافقونا رأيًا برأي وكلمةً بكلمة، وفعلًا بفعل! فهذا النوع من الأعداء هو سرّ من أسرارِ تقدم البشر وازدهار الحضارات، وكثرة الاختراعات. فهل ليست البشريَّة اليوم في أشدّ الحاجة لهذا النوع من الأعداء - الأصدقاء - الذين يقسونَ على الإنسان ليخرج أجودَ ما في ذاته دون أن تنكسر شوكته وتَفلَّ عزيمته؟

مستشار أعلى هندسة بترول