آخر تحديث: 13 / 4 / 2021م - 6:18 م

حكايتي مع الكورونا ”1 -1“

سلمان محمد العيد

كانت الساعة تشير إلى الساعة السادسة صباحا، في أحد أيّام شهر أكتوبر «تشرين الأول» 2020 وبينما أنا أستعد للذهاب إلى العمل مع أحد زملائي، الذي اتفق أن اتصلت به هاتفيا لأن يكلف على حاله ويأخذني معه في سيّارته، ذلك لأن سيّارتي المباركة كانت تحت الصيانة وتحتاج إلى وقت.

لقد أكدت على زميلي أن يقصدني بداية الأسبوع، بناء على أنني للتو قد أتيت من السفر «من طيبة الطيبة»، وإجازتي السنوية قد انتهت وبات عليّ أن ألتحق بالدوام الرسمي يوم الأحد، فاتصلت به يوم السبت مساء، لأخبره بانتهاء الإجازة وإنني معه على رأس الدوام في يوم غد، وعليه أن يأخذني معه ذلك اليوم، خاصة وأن سيّارتي تمر بظروف اقتضت أن تبقى لبضعة أيّام تحت الصيانة، وهذا حال كل مركبة، وكما يقول المثل الشعبي: ”كل مخدوم معدوم“، أي أن كل شيء يتم استهلاكه أو استخدامه يتعرّض للتلف ويتطلب العلاج والإصلاح.

إن هذا الوضع اقتضى منّي أن ابلغ زميلي بوصولي من السفر، وانتهاء اجازتي، وإنني في الغد سوف أكون مرافقا له، وتلك عادة تمت لفترة طويلة مع زميلي فبعد كل إجازة يتم التواصل فيما بيننا للتنسيق لعملية الذهاب وبأي مركبة من مركباتنا.

وبينا أنا أجهّز نفسي، بعد أن ارتديت ملابسي ووضعت شماغي على رأسي، اطلعت على الهاتف المحمول، لأرى ماذا جاءني من رسائل من الأصدقاء، وما نشروه من أخبار ومعلومات أو أرى ما جاءني من رسائل قصيرة فوقفت على رسالة قصيرة من مصدر غريب لأول مرّة أراه فهو مكتوب باللغة الإنجليزية وبصورة مختصرة فتحت الرسالة إذا بها تخبرني بنبأ ليس سعيدا ولا يمكن أن يكون كذلك.

الرسائل القصيرة «SMS» تحمل الأنباء السعيدة مثل الراتب الشهري والحوالات المالية، لكنّها في الوقت نفسه تنطوي على أخبار ليست باعثة على الفرح والسرور دائما، ومما يؤسف له أن أغلب أخبار هذه الرسائل بالنسبة لي مما يؤلم، فأغلبها تفيد بصدور فاتورة أو حلول قسط معين، أو صدور مخالفة وغرامة، لكن هذه الإخبارات أو الإيعازات هي من طبيعة الحياة اليومية، إذ مقابل الرفاهية والتنعم بالماء والكهرابء والهاتف يقابله صرف معين، وفي حال صدور مخالفة معينة فإن لم تصدر جزافا وإنما لحماية الإنسان من نفسه والحفاظ عليه وعلى غيره، من هنا فكلّها عملية تبادل، فالراتب مقابل الجهد، والغرامة مقابل المخالفة، فمن لا يعمل ولا يبذل جهدا لن تأتيه رسالة قصيرة بكشف الراتب، كذلك الحال فمن لم يقطع الإشارة الضوئية ولم يتجاوز السرعة المحددة ولم يتجاوز الأنظمة المرورية في الوقوف والحركة، لن يتعرّض له أحد ولن تعرف الغرامة طريقها إليه.

كل هذا والوضع طبيعي بالنسبة لي، لا أشعر بالألم فقد بت معتادا على هذه الرسائل، لكنّي لم أعتد على رسالة مثل تلك التي جاءتني وأنا أنتظر زميلي للذهاب إلى مقر عملنا المشترك، في الخبر، فالرسالة قصيرة ولا تستغرق عملية قراءتها أكثر من دقيقة إن لم تكن أقل، لكن مضمونها خطير، وتداعياتها مؤلمة، تبعث على القلق والخوف والتوتر، إنها رسالة تفيد صراحة بإصابتي بمرض الكوفيد المستجد، أو الكورونا المستجد «كوفيد 19» ذلك بناء على نتيجة الفحص التي أجريته قبل مجيء الرسالة بأقل من 24 ساعة، إذ قصدت مقر الفحص الواقع بالدمام قرب الكلية التقنية في الساعة الثانية والنصف ظهرا، وقمت بعد الفحص بإدخال سيّارتي ورشة الصيانة بالمنطقة الصناعية بالقطيف «حي التركية»، وبناء على تقديرات الميكانيكي المختص ان السيارة ينبغي أن تبقى في الورشة يوما إضافيا، إذ أنها تعاني من تهالك بعض عضلاتها وأذرعها فضلا عن حاجة الكابح «الفرامل» إلى صيانية وتبديل بعض القطع الخاصة مثل تيل الفرامل «القماشات» وما شابه ذلك، وذلك حسب تقدير الميكانيكي نفسه فالسيارة تعرّضت خلال الفترة الماضية لعمليات اهتزاز حادة، وحالات متكررة من الوقوف المفاجيء الآتي من السرعة، ما يؤدي إلى ضغط غير طبيعي على المكابح والعضلات، خاصة إذا كان التوقف أمام مرتفع «مطب» صناعي تعمد الجهات المعنية لوضعه وإنشائه للحد من السرعة.

وما أن عرفت وتيقنت أني مصاب بداء الكورونا المستجد حتى اتصلت بزميلي لأخبره بالنبأ غير السار، وأضعه في الصورة واعتذر له عن الذهاب للعمل، فهذا الوضع الطبيعي الذي يحدث لدى أي إنسان مصاب بهذا المرض، فالقرار الصادر من وزارة الصحة تلزم أي مصاب بأن يتوقف عن الاختلاط بأحد، وأن يدخل في حالة حجر يأكل بمفرده وينام لوحده ويجلس بعيدا عن أهلي ومن يلوذ به، ولا يذهب إلى العمل إذ يمنح بموجب نتيجة الفحص إجازة مرضية لمدة عشرة ايّام.

وما جرى أني أدخلت نفسي حالة من الحجر، بعد أن اخبرت أهلي وأولادي بأني مصاب بداء الكورونا، وهو مرض ينتقل من واحد إلى الآخر عن طريق الاختلاط، فضلا عن الرذاذ الذي ينطلق من فم كل إنسان من الكلام المرتفع والكحة والعطاس، وحتى لا ينتقل المرض من واحد إلى آخر بات لزمات على كل مصاب أن يبتعد عن المصافحة والاختلاط وأن يلزم نفسه بالحجر، هذا حتى لو لم تظهر عليه أية أعراض من أعراض المرض المعروفة كالصداع وارتفاع درجة الحرارة وفقدان حاسة الشم والذوق، فضلا عن المشاكل التي تحدث للإنسان أثناء عملية التنفس.

لم تظهر في البداية عليّ أية أعراض، ولم أشعر بأي شيء، وللتو قد جئت من إجازتي السنوية التي قضيتها بجوار الرسول الأكرم ﷺ في المدينة المنورة، ولو شعرت بشيء من ذلك لما قصدت العمل وممارسة حياتي بشكل طبيعي، اقصى ما شعرت به حالة صداع حينما ذهبت إلى المدينة المنورة، وتناولت كبسولا مهدئا وانتهت الحكاية، كما أن درجة الحرارة ارتفعت قليلا هناك لوقت لم يزد عن خمس دقائق ثم عادت الأمور إلى حالها الطبيعي وذلك حينما قصدت أحد المجالس أو الديوانيات هناك، وتم أخذ فحص الحرارة فكانت مرتفعة قليلا، بعدها لم يحصل أي ارتفاع حتى عودتي وتوجهي إلى موقع الفحص وأخذ المسحة من الحلق.

عدت إلى المنزل وبدون أية اعراض تذكر، لكن الذي يدور في داخلي أشد ألما وخوفا مما لو كانت الأعراض المختلفة قد زارتني، إذ بدأت معي جملة من الخواطر والهواجس والكلامي الذاتي، إذ بت واحد من آلاف الناس في العالم المصابين بهذا المرض، وبعضهم قد فارقت روحه الدنيا بسبب هذا المرض، أو بسبب تداعيات المرض بعد قضاء الله وقدره .

حينها بدأت استعرض بعض الحوادث التي جرت خلال الأشهر الماضية، بداء من شيوع نبأ ظهور الوباء أوالجائحة، إذ عرفنا من وسائل الإعلام أن الداء جاء من الصين وإيران، ومنهما انتقل إلى كل العالم إلى أوروبا واسيا وافريقيا وبلادنا، ولأول مرة يسمع أغلبنا عن هذا المرض الذي أنسانا قصص الفايروسات أو الأمراض الفايروسية الأخرى التي نسمع بها ولم يشهدها أغلبنا مثل الأيدز وانفلونزا الطيور وانفلونزا الخنازير وغيرها، والتي تفتك بالبشرية لأن العالم يبدو عاجزا عن علاجها، وأقصى ما يتم القيام به هو معالجة الأعراض، التي قدلا يتم السيطرة عليها، وقد يتم علاجها بعد أن تأخذ دورة زمنية في جسد الكائن الحي، وقد ينتهي كل شيء كما هو الحال في الانفلونزا التي تصيبنا في فصل الشتاء، وقد تبقى طول العمر إلى أن ينتهي هذا الجسد عن المقاومة فيرحل الفايروس مع صاحبه كما يحدث لدى مريض نقص المناعة المكتسبة «الأيدز». هكذا قال لنا الأطباء، وقرأنا في الجرائد والصحف والمجلات، التي تورد قصص الموتى والضحايا، لكن هذا الفايروس الجديد يبدو مختلفا فلا ينتقل مثل غيره بطريقة أو بطريقتين كالمعاشرة الجنسية أو الرذاذ او أي شيء من هذا القبيل، إنما يقصد الكائن الحي بوسائل غير معروفة بالتقارب والمصافحة فضلا عن أن من يعطس أو يسعل في مكان ما ويكون مصابا فقد ينقل العدوى ويحل المرض.

والمفارقة العجيبة، إن كافة حملات التوعية التي نفذتها وسائل الاعلام ومن خلفها الجهات المعنية بالشؤون الصحية، بناء على التقارير الطبية العالمية، التي شخّصت الداء وعرفت مفصلا كيف يكون وكيف ينتقل وما أعراضه وكيف يمكن تفاديه كلّها تؤكد بأن ثمة أشخاصا يصابون بهذا المرض وتكون الأعراض غير ظاهرة وغير معروفة، ولا يشعر بأي ألم أو وجع، ويشعر بأنه على ما يرام فيختلط ويتعانق ويسلم ويروح هنا وهناك، وينقل المرض وهو لا يعلم ولا الضحايا يعلمون أن مصدر الداء هو هذا الذي لا يشعر بشيء، وقد يشفى ويتعافى من الداء وهو لا يعلم أيضا.

وهذا ما حصل، وما تداولته الناس، وشاعت القصص والأقاويل، ولم يتوقف أحد إلا ولديه حكاية معينة عن شخص أصيب بالداء نتيجة اختلاطه بأحدهم ولم يكن يعلم أن هذا الشخص يعاني من الداء وقد تداول الناس أن البعض يتعمد أن ينشر الوباء فينتقل من مكان إلى آخر بدائه الذي لا يحتاج إلى وسائل معقدة كي ينتقل ويأخذ مكانه من جسد إلى جسد آخر، ليعبث في الأجساد وينال من الأرواح.

أحدهم جاء من سفر في الأيّام الأولى لشيوع خبر الجائحة، أو الوباء أو البلاء، فذهب إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة، فكان أول عمل قام به أن قصد إمام الجامع ولثمه على خده ورأسه كنوع من التقدير والاحترام لرجل الدين، انطلاقا من التقدير الكبير الذي يحمله مجتمعنا وأبناء مجتمعنا للدين والمتدينين، وقبل ذلك تعانق مع عدد لا بأس به من المصلّين، وبعد أيّام قلائل يتناهى لكل الذين سلّموا عليه وصافحوه وقبّلوه أن صاحبهم العزيز الغالي قد دخل المستشفى لإصابته بوباء الكورونا ما يعني احتمال اصابتهم جميعا بمن فيهم إمام الجمعة والجماعة، وهم بدورهم اختلطوا بأهاليهم واصدقائهم بالتالي أصبحت تلك المحلّة أو الحارة موبوءة، أو أشيع عنها فانتفض الجميع، وبأمر من إمام الجامع للذهاب إلى المراكز الصحية والتأكد من الإصابة أو عدمها، وبالفعل قاموا بالعملية، وبعد ثلاثة ايّاما ظهرت النتائج أن بعضهم أصيب وظهرت عليه الأعراض والبعض مصاب بدون أعرضا، والبعض الثالث جاء سليما، مما أثار الأمر حيرة الجميع فلماذا إناس أصيبوا وظهرت الأعراض عليهم، والبعض ظهرت الإصابة نتيجة الفحص ولكن بدون أعراض، والبعض جاء سليما، فقصد البعض بالسؤال للأطباء والمختصين الذين أوضحوا بأن السرّ كلّه في مناعة جسم الإنسان، فالبعض مناعته قوية يمكن أن يتجاوز المرض بسرعة غير متوقعة، والبعض مناعته أقل فتكون إصابته أشد، والبعض الآخر تكون إصابته ضعيفة فهذا يكون فريسة الداء وقد يؤدي به إلى الوفاة.

ولعل أغرب ما قيل، وسمعنا به، أن الفايروس قد يدخل الجسد عن طريق الأنف أو الفس ويقصد الحنجرة ولا يبقى بها سوى لحظات ولمجرد أن يشر الإنسان قليلا من المشروب الساخن «الشاي، القهوة، الماء....الخ» فينزل إلى الجهاز الهضمي الذي يتكفل بتكملة القضاء عليه، ولكن إذا لم يصل شيء ساخن واستقر في الحنجرة فقد ينتقل إلى الرئة، وحينها يدخل المصاب في معادلة أخطر، قد تؤدى إلى ما لايحمد عقباه.

إنني ولمجرد أن تأكدت بأنني مصاب بهذا الداء وبهذه الصورة، مرّت علي جملة من المواقف، فقد كنت محتاطا لهذا الأمر، وطالما شربت المشروبات الساخنة، وتعرّضت لحرارة الشمس، ومارست الرياضة بغية البعد عن الداء، وتذكرت أن أحد أصدقائي اخبرني بأن احد لاعبي كرة القدم كان يلعب مع جماعته في العصر ليفاجئهم في الليل بأنه مصاب بالداء ويطلب منهم السماح، حتى أن البعض منهم عاتبه عتابا أخويا: ”إذا كنت قد قمت بالفحص وقبل أن تظهر النتائج وتتأكد أنك لست مصابا ما كان ينبغي عليك الذهاب إلى الملعب“، فكان ردّه بأنه لم يتصوّر ولم يخطر بذهنه أنه مصاب، إنما جاءت العملية كنوع من الاطمئنان لا أكثر ولا أقل، بمعنى أنه كان واثقا بأنه بعيد عن الداء، الذي سوف يصيب غيره ولا يصيبه، وهو بذلك يخادع نفسه، وهذه طبيعة كل إنسان يعتقد ان كل الناس سوف تلاقي قدرها المحتوم، وتذهب إلى الرفيق الأعلى إلّا هو، يظن أنه معمّر في الأرض، وأنه بعيد عن الداء والمرض.

لقد كانت الأجواء مرعبة، والأخبار اليومية تبعث على القلق، فالكل خائف، والأخبار التي ترد من الصين وإيطاليا وامريكا والبرازيل والهند وايران كلها تفيد بأن الضحايا في تزايد تام، والموت يطلّ برأسه على الجميع، حتى أن الكثير من الناس اعتقد أن مقدمات الطامة الكبرى قد حلّت، ووسائل الاتصال المختلفة لم تقصّر في نقل المعلومات لحظة بلحظة، والتي أفادت لأكثر من مرة بأن عددا من المسؤولين الكبار والشخصيات المرموقة في بعض البلدان التي تفشى فيها الوقاء بشدة قد لاقت حتفها بسبب الفايروس المستجد، فما بال الفئات الأقل، فإن المصير المحتوم يبدو أشد عليها، وأن الأرواح باتت معلّقة ويسيطر عليها هذا الفايروس الذي لا يرى بالعين المجرّدة.

لقد شعرت بأن الوضع يسير بي مثلما سار بغيري، خاصة وأن الإجراءات الاحترازية أخذت وضعا متسلسلا، إجراء يتبع إجراء، وطريقة تتبع أخرى، ابتدأت بالتوعية العامة بضرورة عدم المخالطة وتحقيق التباعد الاجتماعي، ثم صدر قرار رسمي بتوقف الحياة ومنع التجوال والخروج من المنازل، فالوضع لا يحتمل لأن الحالات بدأت تزيد في بلادنا، وحالات الوفاة أخذت تظهر، رغم الإجراءات الصحية التي كانت عند مستوى الحدث بصورة سريعة وحازمة، وتم تجنيد كل شيء لمقاومة هذا الخطر، الذي تم وصفه بالجائحة إشارة إلى كونه يجتاح كل شيء، فلا يعرف فقيرا أو غنيا ولا يميز بين رجل أو امرأة، ولا أسود عن أبيض، ولا صغير عن كبير، عدا أنه يعشق ذوى الحالات الخاصة، مثل كبار السن ممن يعانون بعض الأمراض المزمنة مثل مرضى القلب والسكري وما شابه ذلك.

وقد بدأت الإجراءات على بعض المناطق التي كان الداء بها منتشرا أكثر، تلك المناطق التي يشتبه قربها أو تعاطيها بالسفر إلى الصين وإيران، وما هي إلّا بضعة أيّام إذا بالداء لم يقتصر على منطقة دون أخرى، بل شمل بلادنا بالكامل، ما يعني ضرورة أخذ الحذر والتزام التعليمات ليس حصرا على منطقة دون أخرى، فالبعض ربما كان مريضا ولا يعلم بمرضه، وقد ينقل العدوى وهو لا يدري أنه قد نقلها، وقد.. وقد.. احتمالات واردة.

لقد أصبحت القضية عامة، ليست صحية بالضرورة، بل هي قضية وطن، يتعرض لجائحة ووباء، ينذر بأشد العواقب، فالحياة قوامها البشر، وإذا ما تعرّضوا وتعطلّت طاقتهم فهذا كفيل بتعرّض كل شيء للتعطل والتوقف، بل للنهاية.

حينها وبإجراء قانوني لم يكن يختلف عليه أحد، بل لاقى إشادة اجتماعية تم منع التجوّل وإقرار العمل عن بعد في شتى الدوائر في كل البلاد، وتم تحديد المدة لمدة شهر كامل، فلا المدارس ولا الجامعات ولا الدوائر ولا المؤسسات، كل شيء قد توقف وبات الكثير من الناس يعملون من داخل بيوتهم، هذا إذا تسنى لهم ذلك.

بالنسبة لي، توقفت عند ذلك الحدث، وكيف أني في منطقة اعتبرت موبوءة في البلاد، فأنا من القطيف، وعدد من أهالي القطيف نقلوا الفايروس من إيران كونهم كانوا هناك وقت انتشار الفايروس، وعادوا ولم يكونوا يعلمون أنهم مصابون، بل أن بعضهم بقي في إيران لبضعة أشهر لم يتم نقلهم إلى البلاد لوجود قرار منع السفر إلى الخارج، فضلا عن أن السفر إلى إيران كان ممنوعا بقرار رسمي، بالتالي فإن إجراءات الاحتراز والرقابة على القطيف كانت في البداية أشد من غيرها، ذلك قبل أن تكون البلاد متشابهة في الداء، بل أن بعض المناطق شهدت إصابات أكثر من القطيف.

حينها اضطررنا جميعا للبقاء في المنازل، وكنا أنا من بين الناس، ولا يمكن أن أخرج عن القاعدة، إذ لم يكن يسمح بالخروج الا ساعات قليلة من النهار كنّا نستغلها لتلبية الاحتياجات المنزلية، وشاهدت بصورة غير طبيعية حالة الهلع لدى بعض الناس وهم يتكالبون على المراكز التجارية لشراء الحاجيات الأساسية وكأنهم يشعرون بأن وضعا خطيرا ينتظر البلاد والعباد، لكنّي وللحق لم أكن مثل هؤلاء الناس، فقد كنت طبيعيا اخرج وقت الخروج وأعود إلى المنزل، وقضيت شهرا كاملا أداوم بشكل رسمي كأني في دائرة عملي، ولكن على مكتبي في المنزل، وقد كنت أؤدي بعض المهام المطلوبة، وإذا لم يكن لدي أي عمل كنت اقضي وقت في المطالعة والقراءة وتنظيم مكتبتي الخاصة، فبعض الكتب كانت ممزقا قمت بصناعة الصمغ بعد أن دخلت إلى ”جوجل“ وعرفت كيف يتم إعداد الصمغ في المنزل، فأعدت الحياة لكافة الكتب الممزقة.

وإذا نسيت فلن أنسى حلول شهر رمضان المبارك، الذي اعتدنا أن يكون شهرا ذا صبغة اجتماعية فلقد كنت معتادا كل سنة اقصد منزل أحد أقاربي أتلو القرآن كل ليلة، وأقوم بإحياء ليالي القدر به، لكن الذي حدث أن هذا العام لم يكن متيسرا، فلا يسمح بالخروج من الساعة الخامسة عصرا حتى اليوم الثاني إلا بعذر مقنع، ويتم التسجيل عليه عبر أحد التطبيقات الالكترونية التي صممت لهذا الغرض، ومضى الشهر الكريم، ليتوج ليلة العيد بحظر كامل لمدة 24 ساعة والجميع صلّى صلاة العيد في المنزل، وأفطر وأخرج زكاة الفطر في منزله، ربما أرسلها في اليوم التالي، أو تم إخراجها خلال أيّام سابقة لليلة العيد، فبعض المساجد استقبلت زكاة الفطر قبل يوم العيد ليتم تسليمها إلى الجمعيات الخيرية، لأن عيدنا هذا العام بدون احتفالات وبدون تجمّعات.

وقد مرّ على بلادنا أيضا بعد عيد الفطر مناسبة اليوم الوطني، الذي اعتدنا أن نحتفي به كونه يوم توحيد البلاد تحت راية واحدة، ولم شمل الجمع، فهو يوم الوحدة الوطنية، وحدة الشعب، ووحدة الحكومة، هذه المناسبة توقفت بسبب الكورونا.

وهكذا استمرت الأوضاع المزعجة والطارئة لتتوج بعيد الأضحى الذي لم يكن بالإمكان إقامة أية مناسبة اجتماعية خلاله لأن التجمعات هي مصدر انتشار المرض وتفشّيه بين الناس.

لقد كنت مقتنعا بكل الإجراءات التي تمّت لأن المرض يعطّل الطاقة البشرية، ويفتك بها، والمرض خطير لادواء له، وقد تعطّلت الكثير من المناسبات، فلا مناسبات زواج، ولا مناسبات نوائح وعزاء، ولا لقاءات اجتماعية، وكل الديوانيات التي اعتاد الناس عليها، بل حتى الفعاليات الرياضية التي تجمع الناس تم إيقافها، منعا لانتشار الوباء.

احترازات عديدة، وكثيرة، وإجراءات متفرقة، لكن الداء لم يتوقف ولم يترك الحياة، يكفي أن الخوف من الداء بات شاملا للجميع، حتى أن البعض توقف عن زيارة والده ووالدته، خشية أن ينقل لهما المرض، خاصة إذا كانا من كبار السن، بل أن العديد من المناسبات أو التجمعات العائلية توقفت، والتي لم تتوقف شاع بينها الداء وظهرت الإصابة لدى جميع الأطراف بلا فرق، وأخذت القصص تتالى وتترى، حتى بلغ الخوف لدى العديد من الناس أن يقال عنه أي شيء، أي عيب أو أي خطأ ولا يقال عنه بأنه مصاب أو أصيب بالكورونا، لأنه سوف يتعرّض للنبذ في المجتمع، ولا أحد سوف يقترب منه، وعدد من الناس توفوا ولا أحد يعرف أن سبب موتهم هو هذا الداء، إلا حين الدفن إذ منع بشكل رسمي الاقتراب من الميت والصلاة عليه تكون بعيدة، بل أن البعض دون ولم يتم الصلاة عليه الا وهو في قبره، بحكم القانون لاحتمال انتقال الفايروس من الجسد الميت إلى الأجساد الحية.

وكم واحد عرفنا أنه تزوّج وأكمل نصف دينه ولم يحضر إليه أحد، ولولا وجود وسائل التواصل الاجتماعي لما عرفنا أنه تزوّج، إذ أن أقصى ما كان يقوم به أن يوكل واحدا للقيام بتصويره ثم ينشرها على صفحات الفيسبوك أو السناب شات ويتم تداولها وتبادل التبريكات عن بعد، لأننا في زمن الكورونا.

تلك الحوادث والوقائع مرّت عليّ وأنا ادخل هذا المعترك.