آخر تحديث: 24 / 6 / 2019م - 10:20 م  بتوقيت مكة المكرمة

رؤية جمالية لقصيدة شعرية..

سعيد العصفور.. حين يتحدث عن الوطن

فؤاد نصرالله مجلة الخط

المرحوم الشاعر سعيد العصفورالحديث عن الشاعر سعيد العصفور يحتاج إلى مراجعة نقدية لصوت شعري أصيل من منطقتنا الخصبة، والمزدهرة على مر العصور بشعرائها المجيدين، وهذا ليس بغريب عن أجواء طبيعية خلابة وروح إنسانية منطلقة تسمو للأعالي وتعانق القيم.

ولد سعيد بن محمد حسن العصفور في بلدة التوبي بمنطقة القطيف، حيث تلقى تعليمه في الكتّاب، فقرأ القرآن الكريم، وتعلم القراءة والكتابة، ومبادئ العلوم العربية، والحساب ثم التحق بالمدارس الحكومية، بعد اجتهاد واضح نال درجة البكالوريوس في العلوم الإدارية من جامعة الملك سعود سنة 1980م. بعدها التحق بشركة «أرامكو».

كل من عاصر العصفور يعرف أنه كان مبرزا في مختلف أنواع الأنشطة: الإجتماعية والأدبية والرياضية في مسقط رأسه، عبر المؤسسات الإجتماعية والأندية الرياضية.

لسعيد العصفور ديوان «هدير الصمت»، الصادر عن مطابع الفرزدق التجارية - الرياض 1995، وله غير ذلك ثماني مجموعات شعرية «مخطوطة »، عناوينها تدل على مزاجه الذي يميل إلى التناغم مع الطبيعة والاغتراف من مباهجها من خلال لغة رصينة وأخيلة خصبة تحتفي بالمدرسة الكلاسيكية في الشعر، فالدواوين هي: «أزهار البنفسج»، و«ليالي القطيف»، و«من وحي العقيدة»، و«وميض الذاكرة»، و«أبجدية الموت والصهيل»، و«أمل وشراع»، و«رباعيات العصفور»، و«قصاصات من يوميات دفتر محترف»، وهي كما نرى تجمع في أغراضها نفثات صدور المحبين وولعهم بالطبيعة، وفي نفس الوقت تؤكد على اعتزاز كبير بالأرض التي أنجبته فصار عليه واجبا أن يتناول مفرداتها شعرا في احتفاء واضح بالناس وبقراهم التي تمنح روحه الأمان والسكينة والهدوء.

لم يكن شاعرنا مهتما بالأضواء لكن هذا لم يمنعه من نشر بعض أعماله في الصحف والمجلات السيارة، ومنها: الموسم، وكل الناس، والمنهل، والواحة، والنور وغيرها كثير.

النظرة النقدية المدققة تبرهن لنا على أن سعيد العصفور كان شاعرا متنوع الأغراض من شعر المناسبات إلى الوجدان، ومن دوائر الجدية البالغة إلى فسحة المرح والمداعبة فيما يأخذ قاموسه الشعري من قراءات مدققة للتراث العربي خلال فترات زهوه وصعوده.

وهو يميل كذلك لاستقصاء مظاهر الحياة في القرية وكذا حياة البادية وصورها البديعة التي تطبع النفس بالرضا مع نجاحه في ترصيع قصائده بمفردات حديثة لا تمنعه من أن يخوض معركة المواءمة بين القديم والحديث في صورة فنية واحدة.

إنه شاعر أصيل بكل معنى الكلمة، فهو يبسط صوره الشعرية الخلابة خالعا عنها مألوفيتها ومقتربا بها من تجارب الحياة المعاشة بخفة دم لافتة، وهو يولد التراكيب والأساليب التي تأخذ بمجمع النفوس فكل ما يهمه أن تصل قصيدته إلى وجدان من يقرأها أو يستمع إليها.

إضافة لذلك يمكننا القول أن له تجربة فنية متميزة في الشعر الشعبي، ورغم جودة ما قدمه في هذا المجال فهو لم يجمع في ديوان، واستقر رأيه على أن يوثق لتجربته في شعر الفصحى قبل أي شيء.

نحن لا نزعم أننا نقدم في هذه الورقة دراسة مكتملة حول ذلك الشاعر، لكننا نحاول فقط الاقتراب من عالمه ومحاولة تحديد بعض ملامحه الجمالية التي عمقت لدى المتلقي إحساسا قويا بالفرادة وسط غابة من شعراء بعضهم يقدم فتحا في القضايا وبعضهم الآخر يكتفي بما هو مطروق ومألوف. فماذا قدم سعيد العصفور في قصائده؟

سنتخذ قصيدة شهيرة له عن الوطن كمدخل طيب للتعرف على ادواته الفنية ومعجمه الشعري، ولكي نبحث عما وراءها من جماليات؟ وكيف وظف معارفه ليعالج أفكاره، وليرسخ مفاهيمه؟

في قصيدة « أغنية للوطن » يقترب الشاعر من نسج سطوره الشعرية بقدر كبير من الصدق الفني متوسلا بمعجم شعري جديد، مع إلمام واضح بمفردات بيئته التي عاش فيها ليبسط مشاعره الصادقة تجاه مسقط رأسه، فهناك عاش الأهل والخلان. إنه يتوحد بالمكان، ويتماهى مع مظاهره الكونية باعتبار أن الوطن أكبر من مجموع أفراده، لذلك لن يكون غريبا أن تسمو مشاعره وتصفو نفسه، وهو يتحدث عن « بلاد الخط» بكل رموزها الجغرافية وسندها التاريخي، مستوحيا ترديدات الرحالة عندما يقتربون من عمق التاريخ ويتأملون صوره ويسترجعون ملامح أهله. يدرك أن الأقمار سوف تلوح لتنير الدجى، وهي صورة واقعية منتزعة من البيئة. غير أن الشاعر يضفي عليها بعدا إضافيا تخص نضجه الانفعالي ومقدرته على توليد العلامات الإشارية بشكل كلي، يعلن عن حضور طاغ لعناصر الطبيعة حين تمتزج بمشاعره الدافئة:

إن جئت يوما بلاد الخط مرتحلا.. أنخ ركابك، واسأل أية نزلا

سائل بها الدار عمن كان محتميا.. بالشمس في فلك الأكوان محتفلا..

وانعم إذا لاحت الأقمار بازغة.. تثري الوجود بنور هل فاشتعلا..

بمثل هذا الاستهلال الجميل يبدأ الشاعر نصه الشعري مستندا على تراث ضارب في الأصالة، وهو يوظف كل ما من شأنه إعادة رسم الصورة بأطيافها فهناك الحركة والسكون، النور والظلال، القرب والبعد، هي إذا محاسن تتبدى كلما طرقت بابا من أبوابهم، فسماتهم الكرم، ولشبابهم قوة وعنفوان لأنهم يحمون الوطن من كل مكروه. يعتمد الشاعر كما نلاحظ على نمط القصيدة الكلاسيكية لكنه يمدها بمفردات حية وآسرة:

واطلب حماة الندى آحاد بارقة.. أغنت محاسنها الأنداء والطللا..

عرج على أهل ودي في ديارهم.. واسلك طريقك مأمونا وممتثلا..

تجد شباب الحمى في كل معترك.. كما النجوم، ومن قد شب واكتهلا..

يشير الشاعر إلى العديد من الدلالات المتضادة، فهو يصور الطرق والمسالك التي يسلكها كي يصل لأهل الدار، هؤلاء الأهل يحبونه وهو يحبهم. إنه يقابلهم في بيوتهم على الأرض الطيبة، لكنهم بقيمهم وشيمهم يرتقون للأعالي مثلما نرى النجوم حين تبلغ الذرى وهي في أعلى مكان يمكن تخيله لتنير الكون كله. الشاعر يجدد العهد حين يرى الشباب وقد أحاطوا به فيشعر بالأمل، يتحصن بوجودهم كقوة لا يستهان بها أبدا. وهو في سعيه لتثبيت الصورة يخطو بقوة نحو رسم صورة لوثباتهم في حلهم وترحالهم فإذا بك تدرك كم هم أغنياء بطيبة معدنهم:

واقض المرام إذا ما جئتهم سحرا.. وجدد العهد واسترفد بهم أملا

فلي هناك بأرض الخط محتسب.. ولي هناك بوادي الطهر ما اشتملا

لي في ذرى النور أهل قل مثلهم.. هم الفداء إذا ما الدهر قد خذلا

يتحول الشاعر في هذا المقطع للزهو والفخر بأهله وعشيرته فيراهم مثلا للطهر والنقاء، وهي رؤية تشتمل على إحساس قوي بما يمتلكونه من رصيد هائل في العطاء والمروءة والشهامة، وهي عناصر أساسية في المكون المحلي والعربي. الشاعر يصعد درجة أخرى فيرى فيهم مكمن « النور» بما في اللفظ من إيحاءات، وقد حظوا بهذه المنزلة لكونهم يمثلون الفداء إذا ما تراجع الناس وخذلوه في منازلة الصعاب.

يلاحظ المتلقي أن سعيد العصفور يستند إلى خلفية تاريخية أصيلة يعرف أنه يمثل جانبا منها، لكنه في نفس الوقت يبث خطابه للأجيال الجديدة كي تتمسك بتلك السمات الأصيلة للآباء والأجداد:

هم هم الأكرمون الصيد ما وجدت.. دنيا بنى الناس في أمثالهم بدلا

هم الألى أسسوا في القلب حبهم.. واستشرفوا الخير إشراقا، ومقتبلا

هم الذين تغار الشمس من ألق.. إن عم نورهم الوديان والسبلا

تكرار « هم» تأكيد قوي على ما لهم من فخر، وقد وضعهم الشاعر في مكان سامق يليق بتاريخهم، ثم راح يستعرض فضائلهم، فقد شرفوا الوطن بما قدموه من خير، وما لهم من شمائل قلما تجتمع في قوم. فهم « الألى » ممن رسخوا حبهم في القلب كما أن « نورهم» عم الوطن، وملأ القرى في إشارة لافتة إلى تلك الأماكن التي أنجبتهم، ثم بدأ الشاعر في نحت مشاهد في غاية الإتقان:

متع فؤادك واطرب للرؤى انتثرت.. على جوانبها الآمال شمس علا

واكتب على صفحة التأريخ رونقها.. فللأصالة في التاريخ ما اكتملا

وانشد أغاني الهوى في دوحة حملت.. عطر السنين، وماض جل منتهلا

يعود سعيد العصفور ليحلق في فضاء الشعر برشاقته المعهودة، فيزاوج بين العشق الشخصي والحب الجمعي، ذلك أن حبه للوطن ملك عليه نفسه، ولكنه في نفس الوقت يشعر بحنين لأهله وأصحابه، فهم يشكلون لوحة من عبق الماضي، لا يدخر وسعا كي يستحضرها بما فيها من أضواء وظلال. إن للزمن عطرا وللحياة دورانها العجيب وتلك الأنشودة التي ظل يترنم بها، تعيده حقا لتاريخ يجمعه بمن أحبهم، فترسخ حبهم في فؤاده فزاده ذلك شرفا وإشراقا.

يتوقف أمام « القطيف» كنقطة وصول لما في الحب من تجليات، يستزيدها وصلا وهو الذي لا يبوح عادة بأسرار القلب، يناشد نفسه أن يبوح بالسر الذي احتفظ به كثيرا:

تلك القطيف فحدث عن رؤى وطني.. لا تكتم السر واعلن للذي جهلا

ففي القطيف تراث نير وصدى.. لكل رائعة تستــــــــوطن القللا

مع حديث النفس تنتصب « القطيف » عالية، صاعدة، بنخيلها وخليجها وأهلها الكرام، ومن حق المكان الفريد عليه أن يعرف به خاصة لمن يجهله، وهنا بالضبط ينتقل الشاعر من موقع التخيل إلى آفاق المعرفة فله عند ذاك أن يتناول ذلك التاريخ بالشرح والتبيان.

من يتأمل الأبيات الشعرية سيلمح ذلك الشلال الهادر من الصفاء الروحي، والذي يتقاطع مع شعور يتزايد بافتتانه بمسقط الرأس حيث نهل معارفه الأولى، حيث تشكلت بواكير حياته وفي هذا الجانب حيث نلحظ سمة الأصالة، يسوقها الشاعر عبر قصيدته الرصينة:

وفي القطيف عيون الغيد مشرعة.. تسبي العقول فكن إذا ذاك محتملا

لا ترخص النفس إلا في مواجهة.. تعز فيها الهدى والسؤدد الخضلا

ينتقل الشاعر بقدر من التلقائية وبخطة محسوبة، في آن. من الموضوعي إلى الذاتي فيرى عيون الغيد، لعل من يعشق العيون الجميلة يمكنه أن يعترف بجمال ورقة المكان كله، وهي حيلة قديمة يجددها الشاعر حين يغازل الحسناوات عبر حبه للقطيف. النساء الحسناوات غالبا ما يسلبن عقول الرجال فما بالك بالشعراء مرهفي الحس، لكن قدرته على قول الشعر تنقذه من الوقوع الكامل في سحرهن. بمثل هذه الشفافية يؤكد لنا أنه بارع في تنضيد الكلمات وبث المشاعر الرقيقة.

يعود الشاعر ليبث حكمته، وقد اقتربت القصيدة من نهايتها فيسجل حقيقة أن الحياة قد تهون رخيصة عندما يكون المبتغى هو مجد الوطن وعزته وكرامته في كل الأوقات. تشف القصيدة عن أحاسيس صادقة، تتفجر بالرغبة في التضحية بالنفس من أجل رفاهية الوطن وخير مواطنيه. تتحول الكلمات الشعرية إلى سلاح ماض لمقاومة كل معتد أثيم، ويتولد في النفس المشحونة بالقيم النبيلة إحساس قوي بالانتماء، وهو شعور لا يمكن أن يطوى في هدوء.

حقا، ما أروع أن تعيش تحت سماء وطن يحميك، وتشعر في جنباته بالعزة والسؤدد والقوة. في تلك اللحظة ينهض الشعر ليتألق، ويتجلى بين الربا في الضفاف ليرتجل أجمل المعاني وأرق الصور وأبهج الأخيلة:

ما أعظم الشعر وشيا في تأنقه.. بين الربا في ضفاف الحسن مرتحلا.

حين ننتهي من قراءة النص الشعري ينفتح أمامنا أفق للتأويل، فهذا شاعر يقدم تجربته في بساطة وأصالة ليؤكد معنى الموهبة الحقيقية في معالجة قضايا غاية في التعقيد حيث يتداخل الذاتي مع الموضوعي إلى حد بعيد، ويعلن الناقد داخلنا عن تقديره الحقيقي لشاعر أصيل، وكاتب عميق الرؤية، ربما لم ينل حظه كاملا في الدراسات النقدية، وما هذه الدراسة البسيطة، سوى محاولة عاجلة لقراءة بعض من تراث الراحل بشيء من الحب والعرفان والاعتراف بالقامة والقيمة.

لقد منحتنا القطيف شاعرا جميلا، مشرق الإحساس، جديد الرؤية، هو سعيد العصفور. وطالما منحتنا هذه الأرض الطيبة العشرات، بل المئات من الشعراء، الذين نفخر بهم، ونباهي بهم الأوطان في قدرتهم على الإستنهاض والنهوض والتقدم من أجل رفعة الوطن وروعة الشعر والأدب.