آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

المذاهب الإسلامية.. اختلاف خط أم اختلاف أسماء

أيمن رجاء النخلي *

إن حقيقة الاختلاف المذهبي بين المسلمين هو خلاف عصبي حول الأسماء والشخصيات، أكثر منه اختلاف فكري وفقهي حول أصول الإسلام وفروعه وحول الخط الإسلامي. وعلى المسلمين مراجعة أساس هذه الفكرة ومدى تأثير تداعياتها على الواقع الإسلامي بشكل عقلي بحت، بعيدا عن التدافع العاطفي بينهم. ولعل مسميات المذاهب الإسلامية وتخندق المسلمين خلفها قد يكون في بعض جوانبه مظهراً من مظاهر العصبية التي أتى الإسلام لكي يحاربها، كونها سبباً رئيسياً للعداوات والتمييز والحروب بين الشعوب.

إن حقيقة الاختلاف حول المذاهب الإسلامية هو اختلاف حول الأسماء أكثر من كونه اختلاف حول العقائد والأصول الإسلامية، لذلك فإن التمذهب كما يعيشه المسلمون اليوم هو أقرب للعنصرية أكثر من كونه اختلاف فكري. لم يعش المسلمين في عصر صدر الإسلام هذا التقسيم المذهبي كما نعيشه اليوم. ولكن بعد نشأت الصراعات السياسية، وسيطرة الأمويين ومن ثمّ العباسيين على حكم الدولة الإسلامية، انفصل مسمى الخلافة السياسية عن الخلافة الدينية، ونشأ الصراع على الخلافة الدينية، ونشأت المذاهب وتعددت، ثمّ أصبحت جزء من الصراع السياسي، وهو في الحقيقة صراع على القيادة الدينية أو السلطة الدينية.

المشكلة ليست في الاختلاف ولكن في التمذهب

حقيقة المشكلة التي يعيشها الفكر الإسلامي اليوم، هو ليس في الاختلاف الفكري بين المذاهب الإسلامية، ولكن في العصبية المذهبية التي يعيشها المسلمون. حالة العصبية المذهبية يتم تغذيتها من قبل الدول الإستكبارية، ومن قبل الجهلاء من جميع المذاهب، فالمتعصّبين يضرون الإسلام في الوقت الذي يظنون أنهم ينفعونه. إن الإختلاف الفكري هو أمر طبيعي، إذا كان بعيداً عن حالة التعصّب، والكن الخلاف العصبي هو الذي يهدد الأمة الإسلامية، ويجعلها تدمر نفسها بنفسها، ويقتل أبنائها أبنائها.

نحن لسنا بحاجة إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية فكرياً، ولكن نحن بحاجة إلى إلغاء حالة العصبية المذهبية. فلا يوجد إختلاف فكري كبير حول الأصول أو فروع الدين عند جميع المذاهب الإسلامية، وإن اختلفت مسمياتها. فالجميع يؤمن بالتوحيد والنبوة والمعاد. وكذلك يعتقدون بوجوب الصلاة والصوم والحج والزكاة والأمر بالمعروف وغيرها. وأما الاختلافات حول المسائل التفصيلية، فهي موجودة بين علماء المذهب الواحد، ولا تشرّع التقسيم.

والمطلوب هو إلغاء حالة العصبية المذهبية، والاتهامات المتبادلة، وإسقاط الآخر، والشحن الطائفي المتزايد، ومحاربة أي شكل من أشكال التكفير أو التفسيق المتبادل. وعلى المسلمين أيضاً احترام التاريخ بحسناته وسيئاته، وقراءته قراءة محايدة، وعدم محاربة حقائقه أو تزييفها.

الاختلاف بين المذاهب هو فكري أم عصبي

لو كان هناك إختلاف فكري حول النظريات في فهم وقراءة الإسلام، فعندها لا توجد مشكلة حقيقية، إذا ما كان هناك حالة من الإحترام المتبادل للفكر. فلو كان هناك إختلاف فكري حول فهم بعض القضايا الإسلامية التفصيلية حول التوحيد، أو الأسماء والصفات، فإن ذلك لا يعتبر مشكلة بحد ذاته، بل قد يعتبر أمر طبيعي إذا ما كنا بعيدين عن حالة العصبية المذهبية. وإن الإختلاف حول مثل هذه القضايا الفكرية، لا يشرع تقسيم المسلمين إلى مذاهب وفرق، يضلل بعضهم البعض الآخر. لقد أصبح التمييز المذهبي عند المسلمين هو تمييز ديني، وأصبح المسلمون كأنهم أصحاب أديان متعددة، أو أنبياء عدة، لا أبناء دين واحد، ونبي واحد، وكتاب واحد. ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ «52» فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ «53» سورة المؤمنون.

ولعلنا بحاجة إلى مراجعة مسميات المذاهب، لكي تتحول إلى مسميات فكرية، طبقاً للاختلاف الفكري، بدلاً من ما هو عليه الحال من مسميات شخصية، كمذهب فلان أو المذهب الفلاني. فإن نعت المذاهب بالأسماء، يجعل المسلمين يرتبطون بالشخصيات، ويغفلون عن الفكر، ويزيد من حالة العصبية والفرقة بين المسلمين، ويؤدي إلى الجمود الذهني وحجر باب الاجتهاد في فهم الإسلام بشكل أكبر وأوسع. ويصبح إتباع المذاهب من منشأ عصبي، وليس فكري وعقلي.

لو أصبح الاختلاف المذهبي هو إختلاف فكري أكثر منه إختلاف على الشخصيات الإسلامية، لزال الكثير من حالة العصبية والقطيعة بين المذاهب، ولذابت هذه التقسيمات المذهبية وانتفت إلى حالة الوحدة الإسلامية. قد يكون أساس نشوء المذاهب هو الاختلاف الفكري، كالاختلاف حول الجبر والتفويض، أو الحسن والقبح، وما شاكل من هذه المسائل الجانبية التي ليست من أصول الدين. ولكن سرعان ما تحول هذا الاختلاف إلى اختلاف عصبي، لأن الأفكار التصقت بالأسماء، فغاب الاختلاف الفكري، وبقي الاختلاف العصبي والشخصي.

منهجية العقائد القائمة على الفرقة

إن منهجية المذاهب الإسلامية قائمة على الفرقة بينها، وليست قائمة على المشتركات أو الأصول، فكيف نطلب الوحدة الإسلامية. إن منهج كل مذهب إسلامي يرتكز على المسائل المختلف فيها عن المذاهب الأخرى، أكثر من أنه يرتكز على أصول الدين.

بينما نجد القرآن الكريم يركز على المشتركات بين الأديان المختلفة، فما بال المذاهب المختلفة. «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ» سورة البقرة - آية 62. فالآية الكريمة تركز على الإيمان بالله والإيمان بالنبوة واليوم الآخر بشكل عام، ثم العمل الصالح. فرغم أن هناك إختلافات كثيرة بين هذه الأديان الثلاثة، ولكن الآية توضح أن مطلق الإيمان بضرورات الدين، بالإضافة للأعمال الصالحة، فإن هذا كفيل بغفران الله ودخول الجنة. فالآية الكريمة توضح الإتحاد الفكري بين الصالحين من مختلف الأديان، وإن اختلفوا في التفاصيل والأسماء. وليس بالضرورة أن ضرورات الدين تشتمل كلّ الأصول، وهذا ما سوف يبحث لاحقاً إن شاء الله.

التحول الإستراتيجي في مسألة المذاهب الإسلامية

لعله من الصعب التقريب بين المذاهب وتعزيز الوحدة الإسلامية في حين أن المسلمين يعيشون حالة من العصبية المذهبية، والاستقطاب الطائفي، بالإضافة إلى تداخل الأوراق السياسية، والألعاب الإستكبارية التي تعمل على المحافظة على فرقة المسلمين، لعدة قرون من الزمن.

إن المشكلة الحقيقية بين المذاهب الإسلامية هي ليست مشكلة فكرية بقدر ما هي مشكلة عصبية. وعندما يكون هناك اختلاف قائم على التعصّب، فعملية التقريب غير ممكنة. وتصبح القضية هي تخفيف التوتر والاستقطاب والتعصب، أكثر منه تقريب فكري. ولكي يكون هناك تقريب بين المذاهب الإسلامية، بل حتى بين الأديان السماوية، فلابد من إزالة حالة الاختلاف العصبي، وتحويله إلى حالة اختلاف فكري، ومن ثمّ يتم تصحيح الانطباعات الخاطئة عند كلّ طرف تجاه الطرف الآخر، والتي تجعل الإنسان يحاكم الإنسان الآخر وفقاً لهذه الانطباعات، وليس وفقاً للحق والواقع.

التركيز على الخط وليس على الأسماء

هل نحن بحاجة إلى إلغاء هذه المسميات المذهبية، مع الاحتفاظ بالفكر الإسلامي بجميع أبعاده. هل علينا التركيز على الخط الإسلامي العام، وغض الطرف عن الخلافات حول الأسماء أو الشخصيات الإسلامية.

هل هناك ضرر عندما نلغي هذه المسميات وما صنعناه من قدسية لها، وهل ذلك سوف يلغي شكل من أشكال الفرقة الإسلامية. وإذا ما حافظنا على الخط الإسلامي، والتراث الفكري الإسلامي، فلا أظن أن هناك أي ضرر في إلغاء مسميات المذاهب الإسلامية مع الاحتفاظ بالفكر الذي يطرحه كل مذهب. وبدلاً من الانتساب إلى فلان أو فلان مع فائق التبجيل لهم، علينا أن ننتسب جميعاً إلى محمد ﷺ، وإلى الخط الفكري الذي شكله الرسول الأعظم ﷺ. وإذا فعل المسلمين ذلك، فإن الخلافات والفرقة بينهم سوف تذوب شيئاً فشيئاً، وتتعمق حالة الوحدة الإسلامية.

وهل كان الرسول الأعظم ﷺ صوفياً أو إسماعيلياً أو أشاعرياً أو إباظياً، أم كان حنيفاً مسلما ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ سورة آل عمران - آية 76. فالآية الكريمة تدعوا أهل الكتاب كما تدعوا المسلمين على التركيز على الخط، وليس على المسميات والاختلاف عليها. فهل نحن بحاجة إلى التقريب بين المذاهب، أو أن نلغي هذه المسميات وما سببته من حواجز نفسية وعقلية بين المسلمين. وأن ينفتح المسلمين بعضهم على بعض كأمة واحدة، دون أي تقسيم أو تفريق، وينفتحوا فكرياً على آراء العلماء السابقين وأفكارهم من أي مذهب كانوا، ويركزوا على خطهم وليس على أسمائهم. علينا أن نؤاخي بين المذاهب الإسلامية كما آخى الرسول الأعظم ﷺ بين المهاجرين والأنصار، هذا إذا لم نستطع دمج المذاهب في خط إسلامي واحد، ومعالجة أسباب الفرقة حول الأسماء.

إن النظر إلى المذاهب الإسلامية كنظريات ومناهج سوف يخفف الحدّه بين أتباعها. ومع غض النظر عن أئمة كل مذهب وأسمائهم، والتركيز على الفكر والمنهج فإننا قد نستطيع أن نحرر المذاهب من القدسية التي قد تطغى على العقل، وتقعد به، وتحدّ من استلهام الفكر الإسلامي بشكلّ أوسع حسب واقع اليوم وحاجاته، وأن لا يبقى المسلمين حبيسي الخلافات السابقة. هل الأمة الإسلامية بحاجة إلى قائد يعالج مشكلة الفرقة المذهبية، ويوحد صفوفها.

﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ «35» نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ «36» لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ «37» سورة المدثر.

كاتب من المدينة المنورة