آخر تحديث: 27 / 9 / 2021م - 12:58 ص

مساكن البشر... قبل حظائر الإبل

امتثال أبو السعود

« وليّت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني».

أول وأجمل ما لُقنّا في المدرسة خلال المرحلة الابتدائية، من أقوال وأفعال الخليفة الأول أبو بكر الصديق، عند توليه الخلافة.

ولأننا تعلمنا هذا عبر مناهجنا التربوية «الرسمية» فهو، وبمقياس السياسة العامة للدولة، منهج تربوي تعليمي «شرعي»، يدعو للأخذ والعمل به. ويؤكد على ضرورة خلع رداء القداسة والعصمة عن أي مسئول. لذا لا يجب أن يتحسس أي يكن موقعه، عند توجيه النقد الإيجابي له، لأنه ليس بمنأى عن الخطأ. فضلاً عن كون القرار الذي قد يتخذه يندرج ضمن حقوق المواطن التي لا يجب غض الطرف حين التهاون بها. بل أن المسئول المخلص لوطنه، المدرك لمصلحة المواطنين، والذي يفترض أنه ما وضع في منصبه إلا لأجلهم؛ يليق به أن يُسعد ويُعيد صياغة قراراته وفق ذاك النقد، وتمشياً مع التوجيهات الملكية الكريمة في سياسة الأبواب المفتوحة بين المواطن والمسئول.

قبل عدة أيام استفزني عنوان برز في الصحافة، وكان محل تهكم وتعليق لكثيرين، فُتحت لأجله صفحات، وأطلقت في مواقع التواصل الاجتماعي وسوم «هاشتاقات» عدة، لتجوب آفاق الشبكة العنكبوتية الواسعة، مفاده أن «أمير الرياض يضع حجر الأساس للقرية الترفيهية للتراث والإبل»! وقد أسهب الخبر في التعريف بالمشروع، مع إغفال - على غير العادة - ذكر التكاليف والميزانية المرصودة للمشروع، والتي لا شك ستكون ميزانية ضخمة جداً، وفقاً لمساحة المشروع البالغة 35 مليون متر مربع، وما يحويه من 1436 حظيرة للإبل، ومدرسة لتعليم ركوبها، ومضامير سباق، وسفلتة وإنارة كامل المشروع، وستة مصليات بمرافقها، وشبكة تصريف للأمطار، وخدمات كثيرة جداً لأجله «تلبي احتياج مدينة كاملة»! وقد اعتمد وزير الشؤون البلدية والقروية المشروع، للتنفيذ، كذلك اعتبره أمين العاصمة أنه «تطوير للمدخل الشرقي للرياض».

هنا أقول: إذا كان هذا المشروع وأشباهه - كما جاء في الخبر - يحقق «طموح» القائمين على خدمة سكان العاصمة، وما أخفضه من مستوى للطموح عندهم! فهل تراه يكون محققاً لـ«حاجات» 60% من المواطنين الذين - وحسب الإحصائيات الرسمية - لا يملكون مسكناً؟! فكم يا ترى ستحقق ميزانية هذا المشروع من حقوق للمواطنين، وتلبي احتياجاتهم الأساسية والتي من أهمها الشعور بالأمان حين توفر السكن اللائق بهم كبشر! والذي قال أحدهم باكياً معلقاً على الخبر في نفس موقع نشره: «والله العظيم ما بي «لا أريد» مدن ترفيهية، ودي «أتمنى» ببيت تنستر أسرتي فيه بعد وفاتي»!

أيها المسئولون أعيدوا رؤيتكم لترتيب أولويات المواطن، الذي وليتم عليه، وباعدوا بين طموحاتكم - إن كان هذا سقفها - وبين طموحاته، فطموحاته تبعاً لحقوقه واحتياجاته أعزّ وأثمن، بدءً من توفير السكن الملائم له كإنسان قبل توفيره للحيوان، ومنحه التأمين الصحي، والبيئة الصحية الملائمة، وخلق فرص العمل للعاطلين، وعلاج مشاكل التعليم التي لا تنتهي، ومنها مشكلة المباني المستأجرة وصيانة المدارس التي تنهار على بناتنا، والجامعات الجديدة التي تشتعل وطالباتنا بين أركانها، وحاجات محافظات لمراكز بحث وجامعات، وإعادة تأهيل البُنى التحتية التي كشفت عيوبها الأمطار القليلة الأخيرة، و.. القائمة تطول وتطول.

فكم يا ترى ستحقق ميزانية هذا المشروع وأشكاله من حقوق وحاجات للمواطن، وترفع عن كاهله أعباء الحياة. ولن يشعر حينها - وإن كان من باب التهكم - أن الإبل ومزايينها أفضل منه درجات؟ هذا إن أحسنا التدبير والتدبر، حينها ستكون مناهجنا وما يتلقاه أبناؤنا في المدارس ليس حبراً على ورق، وخليفة قال، وخليفة فعل، كما تلقيناه نحن، بل دولة تبني بصدق الكلمة، وأمانة المسئولية، وبقناعة وإقرار من مسئوليها، أن هذا حق لمواطنيها.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
نجاح العمران
[ القطيف ]: 3 / 12 / 2013م - 9:17 ص
الواقعية والمتفاعلة أستاذتنا الكريمة امتثال عنوان شدني وبقوة للدخول بين طيات أسطرك وعمق مفاهيمك ما أجمل اللسان الطلق وظهور كلمة حق لاضيربأن مقالك يحمل الواقع الأليم الذي يعاني منه الكثير ويتمنى من ينقذه من ضمور السكوت وقوقعة المثول. قلم بارز ،وفكر ناضج، يحاكي العقول, والصور الماثلة أمام جنبات حلم مرير, بات يقلق النائم ..وكأنه كابوس جاثم يأبى التحرك, لا أدري ادير بصري بكل الاتجاهات لكي أعي ما يحصل وكأن البشر أصبحت دمية اللعب. غاليتي أم وسام أهنئك من قلبي وأبصم بأن لك أهداف سامية لمجتمع لعله يعي ما لهدف من هذه المقالة . لا حرمناك بيننا ودام صوتك ونقش مقالاتك علم يرفرف على قطيفنا ومجتمعنا. ودي وتقديري لشخصك وشكرا من القلب لك .