آخر تحديث: 27 / 9 / 2021م - 12:58 ص

ألف سلام لتقى الشهيدة

ألباب كاظم

حديثها قطعة ثلج تذوب في صحراء الروح، بانتعاشة، ونظراتها أناشيد طفولية تحيل ما حولك من أشياء إلى حفلة صاخبة، فترى الوسائد المتكيء عليها، صارت دمىَ متحركة، والأريكة الجالس عليها أرجوحة بحبال ملفوفة بالورود، والتلفاز أمامك مدينة ألعاب كاملة، وأوراق الدفاتر قطيع من الخراف والماعز والبقر ومما تشاء. أما فجيعتنا بمصير هذه الطفلة ذات الخمسة أعوام، بأناقتها المبهجة الحاسرة عن أمل قريب. فمما لا يحتمل!

جلبت لنا بخطواتك، الدنيا السعيدة البعيدة عن نفاق الكبار وتمثيلهم، وشاهدنا اسئلتك الوجودية تهزّ الكون هزا خفيفا وشعرنا بعقولنا مشدودة بإعجاب صوب عالمك بنقاوته.

فكيف تصبحين أثرا بعد عين، والليل يأخذ من سواد عباءتك الصغيرة لونه ووجوده.. والنهار يكتسب من مكعباتك الصفراء ضياءه.. وقبلاتنا الحميمية لك كلما جمعتنا الأماكن، كفّارة تتساقط على إثرِها ذنوبنا!

كنا نراك تطيرين بخفّة في بيت الله الحرام، بموسم الحج، كان الله العظيم صاحب البيت ووحدك ضيفته المدللة! كلما نزّت عن جبينك قطرات عرق أحالها ربنا العليّ آبار مياه عذبة، في إحدى القارات. لو أمهلوك قليلا لأنقذت أفريقيا من مجاعتها، وسقيت الصغار العطاشى من ينبوع شجاعتك! ولحطّ طائر القدس من ذراعك على أولئك التكفيريين، حاملا في منقاره الدواء، لأحقادهم.

نقرؤك الآن خبرا في الصحف اليومية، في القنوات الفضائية، في شبكة الانترنت، وهي تسرد انقضاض الوحش على اليمامة، الذاهبة في طريق سامراء. عن قطاع الطرق المدججين بالسلاح والرصاص، المبيتين سلفا لإصطياد يمام من نوع خاص محب مستعد لبذل قلبه وروحه في سبيل اللقاء. وأنت تتطلعين من وراء النافذة، تحاولين اكتشاف هذه الأرض، تسألين عن الحسين وعن العباس وعن التل الزينبي، وتريدين الذهاب لكل إمام، ومقام، سمعت عنه وبكيت عليه، وحملت أعلامه وراياته في شهر محرم الحرام، تلهفت لهذه الزيارة، حتى أسرت قلوب العواذل والوشاة.

لكما لغتان، لك قاموس المحب الدائم الحضور في بيوت الله سبحانه، لا تعرف كلماته المراجعة ولا اللوم ولا الأسف، ولك في حضرة أولياء الله، صلاة بطعم العنب، ودعاء هو وردة جورية تتفتح لاستنشاقها المسامات المغلقة، وتبرىْء لديها الأجساد المتعبة. ولللائمين خوف وقلق ووحشة.

ولمن أطلق عليك من قذائف الغدر، وأصابك برصاصة في قلبك، رحت على إثرها شهيدة، ألف لعنة سماوية، وألف جحيم أبدي في الدنيا والآخرة، لك الجنان وأنت تتنقلين رغم أعوامك الصغيرة من بقعة مقدسة لأخرى، وأنت تشتاقين لهذا الطهر كلما بعدت عنه بجسدك، تتوقين لملاقاته، بمنتهى البراءة، ومنتهى الصفاء.

لك يا تقى الشهيدة سلام من ملائكة الله، وأنبيائه ورسله وأئمته، لك ثياب مجللة بالنور، ترتقين فيها على منابر الآخرة، ولمن أطلق من منابر الدنيا فتاواه التكفيرية ألف ثعبان يلتف حول عنقه، له الغفلة والجهل، ولك يا تقى، وعي الحياة الأبدية، ولمن سلّم للعابثين بدمائك، الأموال والعتاد، ألف خزي وعار، مقرنين بالأصفاد، تشوى وجوههم في لهب جهنم. وعندما في الأعلى تطلين بعينك الجميلة على عالمنا البائس، يحرّك الله سبحانه ألف سبب وسبب، لأفول التكفير والإرهاب، فيما تبقى راية الحسين ترفرف براحة يدك الطفولية الناعمة.