آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 4:56 م

الأزمة السورية إذ تستحيل طوفان دماء!

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

على الرغم من أن مؤتمر «جنيف 2» بات على مرمى حجر، لا يفصلنا عنه سوى أقل من أسبوع واحد. إلا أن الأزمة في سورية لا يبدو أنها وشيكة الحل، حيث لا تظهر أي بوادر «جدية» لدى الأطراف الرئيسة المشاركة في المؤتمر الدولي، لا لدى النظام أو المعارضة، ما ينبئ بأن النتائج لن تقود لوضع خارطة طريق تكون مفتاحاً لحل الصراع الذي يزداد شراسة يوما بعد آخر.

المعارضة والنظام، مدعومان بالحلفاء، يذهبون إلى «جنيف 2» مكرهين، كلٌ له أسبابه التي تدفعه للحضور. فكل طرف لا يريد أن يظهر أمام المجتمع الدولي في صورة «التشدد»، أو أن يشار إليه بوصفه عقبة أمام «السلام» المأمول. كما أن كل فريق وعبر مشاركته يريد أن يظهر وكأنه الممثل الشرعي والحقيقي للشعب السوري، وأن يده ممدودة للحل، تحمل غصن الزيتون!.

إن الإشكالية الحقيقية تتمثل في استمرار الصراع المسلح من جهة، وتشابك القوى الإقليمية والدولية من جهة أخرى. أي أن الحل في سورية لم يعد شأناً داخلياً للسوريين وحدهم، بل باتت تشاركهم فيه قوى إقليمية ودولية تتصارع على الأراضي السورية بالوكالة. وهذه الأطراف لها رجالها من المقاتلين المحليين أو «المرتزقة» أو من يصمون أنفسهم ب«الجهاديين». وجميعها قوى باتت تبتعد عن الهدف الأساس الذي خرج من أجله قسم كبير من الشعب، باحثين عن الحرية والكرامة والعيش الآمن.

يبدو واضحاً أن المسافة باتت كبيرة بين المعارضة والنظام من جهة، وبين هاتين القوتين والمواطن «الفرد» والمجتمع في سورية. وبات الإنسان البسيط، والموظف متوسط الدخل، والمثقف غير المسيس، والأستاذ الجامعي، والطبيب.. وسواهم، بات هؤلاء يعيشون في عزلة نفسية ووجدانية، عما يدور حولهم من صراع «عبثي» وإن كانوا يتأثرون به بشكل مباشر، إلا أنهم صاروا أقل حماسة بكثير من الانخراط فيه أو المساهمة في تغليب كفة طرف على آخر، وجُلّ ما يرجونه أن تكف البنادق عن القتال.

ما يؤكد هذه الهوة السحيقة، هو حديث فاليري آموس منسقة شؤون الإغاثة بالأمم المتحدة، أمام المجتمعين في المؤتمر الثاني للمانحين، والذي عقد في الكويت يوم 15 يناير الجاري، حيث أشارت وبوضوح، إلى أن كل أطراف الصراع في سورية أظهروا «تجاهلاً تاماً لمسؤولياتهم التي تمليها عليهم القوانين الدولية لحقوق الإنسان. » مبينة أن الأطفال والنساء والرجال «محاصرون وجوعى ومرضى ويفقدون الأمل».

آموس لم تكن وحدها التي وقفت على هذه المشكلة، بل إن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، حذر منها، قائلاً «أشعر بقلق لأن الجانبين يستخدمان العنف ضد النساء والبنات لتشويه وامتهان إنسانية بعضهما البعض. أدعو إلى وقف فوري لهذه الانتهاكات التي تضر الأفراد وتقوض مستقبل سورية». فيما الدولة المضيفة الكويت، لم تخفِ خشيتها من «الطبيعة الطائفية» للصراع، وهو الأمر الذي ينذر باستعار نزاع مذهبي مسلح، لا تقف تداعياته عند حدود سورية، بل تتعداها إلى المحيط المجاور.

«نصف سكان سورية يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة. نحو 9.3 ملايين شخص يحتاجون إلى مساعدات عاجلة»، كما قال الأمين العام للأمم المتحدة. ولنا أن نتخيل حجم الكارثة التي ألمت بالشعب السوري نتيجة استمرار الصراع، وتعنت الأطراف، وعدم التوافق على حل سلمي جدي.

إن الفرد الذي لا يشعر بالأمان، ولا يستطيع أن يسد جوعه، أو يقي نفسه البرد والمطر، ويعيش مشرداً بين الخرائب والمخيمات، هو فرد لا تعنيه السياسة ولا الأيدلوجيات، فهي بالنسبة له ضربٌ من الترف و«الحماقات»، لا يجد لها وقتاً للانشغال بها، كونه مشغولاً بذاته التي يراها تغرق في محيط متسع من الدماء القانية.