آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 4:43 م

مزاج علني

تونس هل تكمل درب الياسمين؟

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

قبل 3 أعوام، بدأت كرة النار تتدحرج من تونس. في سيدي بوزيد، كان الشاب محمد بوعزيزي محركاً لها، عندما أشعل جسده، لتتوالى التظاهرات واحدة بعد الأخرى. متنقلة من مدينة لأختها، قبل أن ينخرط تاليا «الاتحاد العام للشغل»، وينزل المحامون، والطبقة المتوسطة، وتختتم برحيل الرئيس السابق زين العابدين بن علي من البلاد، وتسليمه السلطة، ليُفتتح عهد جديد، ما كان التونسيون ليحلمون به باكراً بهذه السرعة وهذه الكيفية!.

الأعوام الماضية تسارعت فيها الأحداث، على الدولة المتوسطية الوادعة. عاد فيها آلاف المغتربين، وخرج المئات من السجون، وتشكلت أحزاب وقوى إسلامية وعلمانية جديدة، ونشط جيل من الشباب المتعلم والجريء، وفي ذات الوقت برز إلى السطح تيار الإسلام السياسي بجناحيه وهما: الإخوان المسلمون، والسلفيون.

دماء كثيرة سالت، في مواجهات بين الجيش التونسي وعناصر من السلفية الجهادية، وتكونت على الأطراف وفي الجبال خلايا لتنظيم «القاعدة»، فيما كان السياسيون يتنازعون الحكم بينهم، والقاتل المجهول كان يجوب بصمت، يختار ضحاياه بعناية، مدشنا مرحلة الاغتيال السياسي، والتي راح ضحيتها عدد من الرموز، من بينهم الراحل شكري بلعيد.

حركة «النهضة» الإسلامية، البنتُ الشرعية تاريخيا ل«الإخوان المسلمين»، والتي وصلت إلى الحكم عبر صناديق الانتخاب، وجدت نفسها في مأزق كبير، وسط احتجاجات متتالية من قوى الأمن، وتنامٍ للحركات الإسلاموية الأصولية، واختلاف مع الشركاء في الحكومة والمجلس التأسيسي، الأمر الذي دفعها للتشدد والتمسك برأيها تارة، والإذعان لصوت خصومها، تارة أخرى.

الأربعاء المنصرم، 29 يناير من العام الجاري، كان فاتحة جديدة، في تاريخ تونس وحركة «النهضة»، حين سلم رئيس الوزراء علي العريض، السلطة للرئيس الجديد مهدي جمعة، في حضور أعضاء حكومته، بعد أن صوت أعضاء المجلس التأسيسي على الدستور الجديد في البلاد، بواقع 200 صوت مؤيد، وهو التصويت الذي مهد لخروج البلاد من نفقها السياسي المظلم.

ما أن حقق التونسيون هذه الخطوات، حتى أعلن صندوق النقد الدولي عن منح تونس قرضاً بقيمة 506 ملايين دولار، وهو مبلغ رغم محدوديته، إلا أنه سيساهم على دفع عجلة الاقتصاد المتعثرة، ودليل على ثقة المجتمع الدولي، وسيفتح الباب أمام قروض أو هبات أخرى، ويجذب المستمثرين الأجانب.

وزير الخارجية الأمريكي جون كيري من جهته، أشاد بالدستور «الديمقراطي الذي يكرس حقوق الإنسان الكونية للتونسيين كافة»، مبيناً أن حكومة بلاده «تحث الحكومة الجديدة على تحديد موعد سريع لانتخابات مبكرة بهدف تمكين المواطنين من اختيار قادتهم الجدد وتحديد مستقبل بلادهم». ما يعني أن هنالك قبولا سياسيا دوليا للانتقال السلمي للسلطة في تونس، خصوصا أن التوافق الذي حصل بين الفرقاء، أتى وسط محيط إقليمي مضطرب، سواء في الجوار الليبي، أو مصر، أو سورية.

إن الذي خلق التوافق في تونس، هو برغماتية حزب «النهضة» من جهة، والمبادئ العلمانية الراسخة في البلاد من جهة أخرى. كما أن مشهد خسارة الإخوان المسلمين للحكم في مصر، شكل درساً قاسياً وبليغاً لرفاقهم في تونس، وجعلهم يستخلصون العبر، ويتركون المكابرة والعناد. فأنت تكون جزءاً من السلطة، ومشاركاً في القرار السياسي، خير من أن تخرج صفر اليدين من المشهد.

الأهم الآن، أن تواصل تونس طريقها نحو التنمية والتعددية واحترام حقوق الإنسان، دون أن تنتكس تجربتها، ودون أن يخطفها «العنف» ويدخلها في دوامته السوداء. وهي التجربة التي إذا ما نجحت في إكمالها، فإنها ستضرب مثالاً يحتذى لجوارها العربي، في أن الحوار والتوافق السياسي، هو المخرج الوحيد من الأزمات، ولا مخرج سواه.