آخر تحديث: 27 / 9 / 2021م - 12:58 ص

حينما «يرتع» رجل الأمن

امتثال أبو السعود

استنكر جمع غفير من المواطنين مقطع الفيديو الذي نشر على موقع «يوتيوب»، بتاريخ 28 يناير الماضي، تحت عنوان: «بطولة صقور نايف في العوامية»، الذي يعف لساني عن ذكر الصفة التي يستحق أن يسمى بها. الكاتب والناشط الحقوقي حسين العلق سماه بـ «فيديو العار». وأجد أن هذه التسمية أقل مما يستحق أن يطلق عليه! فهو مقطع يستهجنه كل عاقل، ويستفز كل مواطن، بل كل إنسان، سواء كان شيعياً، أم سنياً، لما به من انتهاكات وتجاوزات على الوطن، وليس على مجتمع شيعي بذاته.

ويكفي أن نتصفح الوسم «الهاشتاق»، الذي أنشئ لأجله على موقع «تويتر» تحت مسمى «#عساكر - العوامية»، لنرى حجم الاستياء العام، فضلاً عن الخطب والمقالات المنددة. ودعونا من التسميات الآن، ولنتناول المقطع - لمن لم يشاهده - كما سجله أبطاله «المغاوير» الأربعة، حماة الوطن، التابعين لقوات مكافحة الشغب، «الغزلان» كما سموا أنفسهم، لنرى معاً مدى التجاوزات والتعديات التي فيه:

1. بدأ الشريط بمدرعة مصفحة تتجول في أحد شوارع بلدة العوامية في محافظة القطيف، وأحد الأبطال بداخلها يقول - مع الاعتذار المسبق لأهل العوامية الكرام -: «وهذه بلدة العوامية عامت عليها إن شاء الله عايمة»، ولربما قد نسي هؤلاء أن العوامية هي العائمة فوق منابع الخير للوطن.

2. يعرض المصور خط سيره بدءاً من سور «مدرسة بنات»!

3. يشير للمرأة التي صادف مرورها - بكل احتشام - بكلام بذيء، قادحاً في شرفها وعرضها. بل ويتعرض آخر لها، ويتجرأ على مناداتها بمثله، ولا أدري فيما لو كان يمرون بصبية؛ ماذا كانوا فاعلين؟

4. يتحدث «البواسل» عن الخوف الذي ترتعش له فرائصهم داخل المدرعة، وهم يتجولون!

5. يمرون أمام منزل أحد المواطنين، ويشيرون له بتعبيرات غير لائقة.

6. يحدد موقع إطلاق النار «اليومي»!

7. لا يتوانون وبكل جرأة عن التصريح بأسمائهم، ويقومون وبكل ثقة بتوثيق ما يفعلون ونشر سوءاتهم.

8. يطلقون على مركز شرطة العوامية اسم «مرتع الغزلان».

وأقل ما يوصف به هذا السلوك بأنه مشين، لا أخلاقي، ولا مسؤول، فضلاً عما فيه من «سوء استغلال السلطة». كما ينم عن جهل مطلق، ونفوس مريضة ألقمت طائفية. وأن ما فيه ما كان ليحدث في دولة شرعها الإسلام، ويحكمها القانون، وإن حدث فلا يجب أن يمر دون أن نقف عنده، في تساؤلات علنية: ما ومن الذي منح هؤلاء الأشخاص تلك الجرأة؟ وما الإجراء الذي سيتخذ في حقهم؟ وهل ستقوم الجهة التي ينتسبون إليها ممثلة في وزارة الداخلية بتقديم اعتذار عن ذلك؟

أجد أن الاعتذار، الذي أستبعد قيام الوزارة به، واجباً عليها، لأنها المسؤولة عن اختيار منسوبيها، وتدريبهم، وإفهامهم واجباتهم. فعليها أن تتحمل خطأهم.

أما العقاب فيجب أن يعاقب هؤلاء بشدة، وعاجلاً دونما تأجيل، ومن المهم أن يعرف المواطنون بذلك، ويعلن عنه، والأسباب واضحة جداً، أهمها الحفاظ على هيبة القانون، الذي أساء إليه من يفترض أن يكونوا حماته، فمن قام بذاك الفعل هم رجال أمن. كما أن الإساءة «المباشرة» طالت عدداً لا يستهان به من أبناء الوطن، أما «غير المباشرة» فجميعهم.

فعدم محاسبة المستهترين بالنظام والقانون والأخلاق، وأعراض الناس؛ سيكون تصريحاً رسمياً بالموافقة على فعلهم الشائن، وإلا فالنظام الأساسي للحكم الذي اشتقت من مواده أنظمة وقوانين رسمية كثيرة، لن يكون له أية قيمة أو شرعية تذكر إن كان ما يرد فيه مجرد حبر يسيل على ورق دون تفعيل له. فعقاب أولئك الآن أضحى حقاً خاصاً لفئة كبيرة من المواطنين، وحقاً عاماً لكل الوطن.

فهل سنسمع في الغد القريب أن وزارة الداخلية ممثلة في وزيرها، ردت هذا الحق لأصحابه، وأعلنت عن إحالة أولئك الخارجين على القانون إلى القضاء العسكري، لمحاسبتهم، ليكونوا عبرة لغيرهم؟ أم سيضيع حق المواطنين، وحق الوطن عبر ترك أولئك يرتعون في عملهم؟ أولئك الذين على ما يبدو حين استخدموا كلمة «المرتع» جهلوا أن أصلها كما جاء في معجم «تاج العروس» يستخدم للبهائم، ويستعار للإنسان إذا أريد به الأكل الكثير، كما حققه الأصبهاني والزمخشري، وهو أيضاً المكان الذي يمكن اللهو واللعب والتنعم فيه. وفي قواميس اللغة العربية: أرتع الراعي إبله جعلها ترعى كيف شاءت في خصبٍ وسعة. أما مورده في الحكم والأمثال فقد قيل «الظلم مرتعه وخيم».

وهل حقاً أضحت مؤسسات الدولة الأمنية كذلك في نظر المحسوبين عليها؟! وهل بات المواطن مهاناً على أرضه إلى هذا المستوى؟ أترك لوزارة الداخلية الإجابة على ذلك.