آخر تحديث: 27 / 9 / 2021م - 12:58 ص

بانتظار عمامة!!!

أفنان المهدي

في وسط بيت متواضع، ليس، فيه أدنى مظاهر الزينة والبهرجة، حيث تفترش أرضه بعض من قطع السجاد البالي، كان أحد مراجع الدين، بانتظار حضور ”مرتضى“ ذاك الطالب المجتهد، الذي قد مضى على غربته ودراسته للعلوم الدينية، عام ونصف، قطعها بتفوق منقطع النظير. في دراسة المقدّمات ابتداءً من الرسالة العملية، والعقائد، والبلاغة، والنحو، فقد كان وقّاد الذهن، متقدما على أقرانه، بتلك الهمة العالية، والشغف والإجتهاد في طلب العلم.

علت أصوات الحاضرين بالصلاة على النبي وآله، حينما حضر ”مرتضى“ مع بعض مدرّسيه، مرتديا للثوب الأبيض، والصاية البيضاء، كان متوترا، فرحا، قلبه يخفق بشدّة، تقدّم بضع خطوات، وجلس أمام المرجع، وشرد ذهنه، وانفصل فكره عن الموجودين، وغاب مع صوته الخفي الذي أبى إلا أن يُسيطر على مجريات هذا الحدث؛ يا إلهي!! نبضات قلبي تسابق عقارب الساعة، هذا هو يوم العمر، أجمل وأهم يوم في حياتي.

لكم كنت أنتظره، وأنتظر هذه الساعة التي تُزف إلي العمامة، وأصبح فيها متميزا عن غيري، وأحظى بالإحترام والتبجيل، أينك أيتها العمامة؟! لا أكاد أراك!!

فتح المرجع صندوقا صغيرا بجانبه، تناول عمامة بيضاء، أشبه بلؤلؤة جذابة تتوسط صدفة خلاّبة، فتراقص قلبه، وارتبكت أحاسيسه، وكانت أشبه بأحاسيس فتاة يافعة تنتظر زفافها لفارس أحلامها، وبالدعاء بالبركة وطلب التوفيق، تُوج ”مرتضى“ بالعمامة البيضاء.

جميل، ان يتميز الإنسان عن غيره بالعلم، فقد حثّ الإسلام على العلم والتعلم، وجعلهما فريضة على كل مسلم ومسلمة، فبالعلم يسمو الإنسان، ويرتقي، ويبني إنجازات عظيمة، وحضارات عملاقة، لكن الأجمل منه، أن لايقتصر الطموح ويكون جُلّ الهم في ”العمامة والعمامة فقط“، وإلا سينصرف المتعلم عن الهدف الحقيقي والأسمى للعلم، وهو معرفة الله حقّ المعرفة، ومعرفة الهدف الذي خُلق لأجله الإنسان وهو خلافة الله وعمارة الأرض، وتهذيب النفس وتطهير الذات وغيرها من المقاصد، والتي لا تتم إلا بالعلم، وإلا تحول العلم إلى وبال، وبدل أن يكون سبيل نجاة وطريقا للجنة، سينقلب إلى تهلكة وجسر للنار، ولايخفى على عاقل، أن أكثر الألوان تعلوها الأوساخ والأدران بسرعة فائقة، هو اللون الأبيض، فرفقا، رفقا بالعمائم البيضاء!!