آخر تحديث: 26 / 9 / 2021م - 12:59 ص

ليالي الفرج وشجاعة البوح!

أمل زاهد صحيفة الشرق

بلغة عذبة رقراقة تغترف من معين الأمل والألم وامتزاجهما معاً تدفقت الزميلة ليالي الفرج بوحاً شجاعاً في مقالها الأسبوع الماضي؛ حيث ذهبت بقرائها إلى تخوم المعاناة وذروة تأججها؛ بمفاجأة اقتحام مرض السرطان جسدها واختراقه لحصونها المنيعة وصولاً إلى مشارف الطمأنينة والتسليم؛ والتطبيع مع المرض بخلع أردية الخوف واقتلاع مخالب الهلع وإنزاله - المرض - منازله الواقعية الموضوعية؛ بماهو مرض ككل الأمراض الأخرى يمكن الهيمنة عليه وقهره بسلاح الإيمان والعزيمة؛ وإرادة الشفاء القادرة بإذن الله على دحر المرض وهزيمته.

وليالي لم تكتف في مقالها بإيقاد شمعة تساهم في تهشيم الأفكار النمطية والمفاهيم المتكلسة عن مرض السرطان؛ - بما هو فزاعة تشعل مكامن الخوف لمجرد إجراء فحوصات كما كتبت ليالي - ولكنها غاصت مع قرائها في رحلة شجاعة وشفافة استبطنت فيها ذاتها واستنطقت معاناتها لتصب خلاصة تجربتها في كبسولات مكثفة مفعمة بالتفاؤل والأمل والقدرة على تطويع الألم والمعاناة؛ وإعادة توجيه الدفة والذات وتغيير المسار إلى حيث تصبح - هي - قائدة لا مقودة، وربانة السفينة بدلاً من ترك نفسها فريسة لأنواء اليأس ونهباً لعواصف مرحلة العلاج أو رهينة لتجارب سوداوية كالحة عاشها غيرها. وهنا اختارت كاتبتنا الشجاعة التجديد لها مساراً ومسلكاً كما اختارها هو الآخر؛ محولة الألم لأمل؛ والحِمل الثقيل لحُلم بالخفة والتخفف؛ والمحنة لمنحة استطاعت بها ومعها استشعار متع الحياة عمقاً وعرضاً بإعادة اكتشاف ماحولها من نعم.. بداية بذاتها الثرية وقوتها الداخلية الكامنة التي حررها المرض من مخابئها الدفينة؛ وليس نهاية بدفء الأحبة الحقيقيين والمساندة الإنسانية، ثم مهارة الطبيب المعالج ودعمه لها في عملية التبصير بالمرض ومراحل العلاج والقفز فوق حاجز الخوف؛ وصولاً للمعرفة الواعية والقادرة دوماً على استئصال شأفة الأفكار المبثوثة في المجتمع والناتجة عن تهويمات الجهل والخرافة.

تتجلى أهمية شهادة ليالي عن تجربتها مع المرض في كونها تجربة إنسانية وجودية عميقة تضيء العتمة وتكشف المسكوت عنه في حالة خيانة الجسد لصاحبه؛ والمعاناة النفسية المصاحبة لذلك التي قد تسحب المريض لدوامة الاكتئاب واجترار الآلام والرثاء للذات وهدرها؛ أو قد تقوده عكساً لامتلاك ناصية نفسه والتسيد، وقهر خيانة الجسد بالتمكن من إرادة الشفاء أولاً وتطويعها لخدمة الجسد المخذول؛ وصولاً لدحر المرض فالمعركة في لبها وجوهرها معركة نفسية في المقام الأول، معركة دفاع عن الوجود والكينونة ضد المرض والتفافاته وخياناته. إنها سيرورة وتجربة لايعود منها الإنسان - غالباً - كما كان أول مرة؛ سواء مرت به ذاتياً أو كان شاهداً عليها في أحد أحبته؛ تجربة وجودية ثرية ومتعددة الأوجه لها فرادتها في كل حالة «تجبرك على النهوض من وجه المكان لتُعاود البقاء في ذات الموضع بجغرافية وكيفية أخرى مُغايرة» كما تقول ليالي. تجربة يعيد المرء فيها موضعة ذاته واكتشافها؛ ويجدد علاقته بالحياة ونظرته لها؛ ويسائل علاقاته الإنسانية وصدقها من زيفه؛ رحلة قد تعيد للأمور المألوفة المأخوذة على محمل الضمان والوثوق طزاجتها وألقها وقدرتها على إيقاد فتيل الدهشة، أو قد تجر المريض إلى مهاوي اليأس والإحساس الممض بالعبث واللاجدوى. تجربة إن لم تفعل فعلها في الإنسان وتغيّر نظرته للأمور وتعاطيه معها وتمثله لما ومن حوله، فلا يمكن لأمر آخر غيرها أن يفعل ذلك!.

كما تأتي أهمية هذه التجارب العازفة على أوتار البوح والمكاشفة في تهشيم ثقافة الخوف والتأسيس لثقافة المواجهة؛ وكسر شوكة التعتيم والصمت وترهات الإحساس بالعار والخجل نتيجة للإصابة بالمرض. فضلاً على كسر السائد في النسق الثقافي بالانسحاب والتقوقع على الذات عند الإصابة بالمرض توجساً من نظرات الشفقة أو خوفاً من بعض مظاهر التغيير الشكلي نتيجة للعلاج وغيرها من المحاذير والمخاوف. فهنا يساهم السارد أو الساردة للتجربة ليس فقط في التعريف بالمرض والتبصير وكسر حاجز الخوف، بل في تعبيد الطريق واجتراح مسيرة ريادية شجاعة وغير مسبوقة في ثقافته، تقود المجتمع إلى الإيجابية في التعامل مع المرض والمرضى، وإعادة الاعتبار للضعف البشري وذلك بالاعتراف به وعدم الخجل من تفاصيله بمشاركتها مع الآخرين وإطلاعهم عليها دون مواربة أو تعتيم. فضلاً على أن الشفافية والشجاعة في التحدث عن المرض وعرض تجارب ناجحة في هزيمته، أو الكشف عن هجمات ضعف قد تنتاب المريض في رحلة العلاج والتأكيد على إمكانية عبورها وتجاوزها،.. كثيراً ما تكون ملهمة ليس فقط للمصابين بالمرض، ولكن للسائرين عموماً في رحلة الحياة الشاقة المحتاجين دوماً لنفحات من الأمل والإيمان لمساعدتهم في مكابدة مشاقها وصعابها. كما أن إخراج المعاناة من دائرة الخاص وتجاوز الذات باعتبار المعركة مع المرض معركة عامة كما هي شخصية ذاتية في آن واحد، يساهم في خلق هدف أسمى وإعطاء قيمة أكبر للوجود والذات، وهنا تصبح كل حالة كشف مبكر عن المرض أو انتصار عليه نصراً شخصياً يعطي قوة دافعة.

وكانت الدكتورة سامية العمودي إحدى الرائدات في رحلة المكاشفة والبوح منذ سنوات، فقد كتبت عن تجربتها مع سرطان الثدي بشجاعة مهشمة المفاهيم النمطية عنه، وكاشفة عن أهمية الكشف المبكر مما ساهم في التعريف بالمرض وأهمية احتوائه في مراحله الأولى، وهي معركة انطلقت من الخاص للعام وجعلت من الدكتورة سامية رمزاً شجاعاً ملهماً لكثيرات من نساء الوطن.

ختاماً: أسأل الله تعالى أن يسبل ثوب الصحة والعافية على الزميلة ليالي الفرج وعلى جميع المرضى ويشدها بالقوة والثبات في رحلة العلاج.