آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 5:19 م

صورة لنموذج مدني

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

مريم المنصوري، السيدة الإماراتية التي لم تكمل الأربعين ربيعا بعد، تكتسب مشاركتها في ضرب مواقع «داعش» على الأراضي السورية، أهمية رمزية خاصة، تتجاوز ما يعتقده البعض، من كون قيادتها طائرتها الحربية، هو مجرد استعراض دعائي لا أكثر، لن تكون له مفاعيله على أرض المعركة!

بالطبع، لا يقول أشد المتحمسين ل «المنصوري» بأنها سيكون باستطاعتها القضاء على الإرهابيين بمجرد كبسة زر، أو أنها تمتلك عصا سحرية ستغير من المعادلة العسكرية على الأرض من اليوم الأول. فالمعركة مع «داعش» طويلة ومضنية، وتحتاج إلى تكاتف جهود إقليمية ودولية، وعمل عسكري وسياسي واستخباراتي، وأيضا فكري، يقوم بغرس مفاهيم التعددية والتسامح والقيم المدنية في المجتمعات العربية. فمجرد ضرب جسد الإرهاب، دون محاصرة فكره وجذره التكفيري التوحشي، لن يجدي نفعاً.

«داعش»، تستند لفكر يزدري المرأة، ويعتبرها عورة يجب أن لا تغادر حيزاً جغرافياً محدداً، هو بيتها، قابعة فيه تحت وصاية الرجل، الذي هو الأب أو الأخ أو الزوج، كونها مصدر «فتنة دائمة» يجب أن يحمى المجتمع من سلبياتها. وهو الفكر الذي يمزج بين ذكورية طاغية، وقراءة متشددة للدين، وتشبث أعمى بالتقاليد الاجتماعية البالية.

من هنا، كانت مشاركة المنصوري في ضرب «داعش»، تمثل صدمة للعقول الماضوية من جمهور «داعش» وأفرادها. فهاهي المرأة التي ينظر لها بوصفها كائناً هامشياً، تتحدى منطق البغدادي، وتخرج مصوبة صواريخ طائرتها، باتجاه رجال أشداء، بطشوا في الشيوخ والنساء والأطفال العزل. ما يعني أن أي هزيمة أو خسارة تلحقها المنصوري بالمتطرفين، سيكون لأثرها النفساني والفكري، مدى أشد عمقاً، وإن كان غير مرئي أو محسوس، لكنه يتسرب إلى الداخل غير المفكر فيه.

الرسائل الأخرى التي تحملها مشاركة المنصوري، لها أبعاد تتعلق بترميم ما انهدم وتشوه من صورة الإسلام أمام الرأي العام العالمي، فعوضاً عن مشاهد السبي والقتل، تحضر صورة حضارية لمرأة محجبة، تقود طائرة حربية حديثة، وتؤدي مهامها بشكل متكامل، إلى جنب زملائها الضباط، بل، تقود هي سرب الطائرات المقاتلة. ما يعني، أن المرأة باستطاعتها أن تتقدم مسيرة المجتمع، دون أن يخدش ذلك في شخصها أو يقلل من قيمتها، بل إن حضورها يضفي قيمة مضافة، فأي مجتمع تبرز فيه المرأة بشكل فعال وحيوي، وتمارس حريتها وحقوقها دون إكراهات، فذلك دليل على تقدم المجتمع ومدى مدنيته. والمنصوري في هذا الصدد، تقدم صورة إيجابية للمرأة المسلمة، التي ولدت في مجتمع محافظ، واستطاعت أن تحقق حلمها الذي سعت له منذ إنهائها لدراستها الثانوية، وتتجاوز النظرة المتحفظة تجاه وجود النساء في المجاميع الحربية. وهذا الأمر ما كان ليتم، لولا وجود نظام مجتمعي وسياسي يسعى لأن تكون النساء جزءاً رئيساً منه، وليس مجرد رتوش تجميلية تكميلية.

وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد، وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أشار إلى أنه «لا يمكن تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة من دون مشاركة كافة طاقات المجتمع في عملية التنمية الوطنية ولهذا فإن دولة الإمارات من الدول العربية التي تولي اهتماماً خاصاً بتمكين المرأة، حيث تحتل مركزاً بارزاً بين دول العالم، فيما حققته المرأة وتحققه من إنجازات ونجاحات في جميع مجالات الحياة». مبيناً أنه «لا تقتصر جهودنا على المرأة الإماراتية فحسب بل توجهنا إلى دعم المرأة في المنطقة وفي العالم بصورة عامة». وهو ما يعني أن حضور الرائد طيار مريم المنصوري، أتى ضمن سياق متكامل، ورؤية واضحة، تروم أن تكون المرأة جزءاً فاعلاً في بناء مجتمع مدني متسامح، يقدم نموذجاً يحتدى به إقليمياً وعربياً، يقابلُ وينقضُ نموذج نساء داعش، واللواتي لا يحسن غير إنتاج جيل من الأبناء، يرضع من ثدي الكراهية النتنة!