آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 5:19 م

مزاج علني

داعش إذ تنعى أطفالها

حسن المصطفى * صحيفة عكاظ

محمد العبسي، أبو عبيدة، قتيل سقط لتنظيم «داعش» جراء قصف طائرات قوات التحالف، حيث نعاه أنصار التنظيم على شبكات التواصل الاجتماعي، في التاسع من أكتوبر الجاري.

أبو عبيدة، ليس بالكهل، ولا الشيخ الذي شاب فوداه، وما هو بالشاب الذي يضجُ عنفواناً وقوة. إنما هو مجرد طفل يدعوه الدواعش ب «شبل البغدادي»، لم يزدن عارضاه بالشعر بعد، ويقدرُ عمره بين التاسعة والثلاثة عشر ربيعاً. هو ضحية جديدة للفكر المتشدد، ولأب اختار له الموت، عوض المستقبل والحياة الكريمة.

إنها إشكالية جد معقدة، ترتبط باستغلال الجماعات المسلحة في «النصرة» و«داعش» للأطفال الصغار، والزج بهم في تخوم نيران الكراهية والقتل المشتعلة.

تراهم يرتدون ملابس سوداء قاتمة، وينزلون خفافاً من سيارة نقلٍ مهترئة تنقلهم إلى قبوٍ أسفل أحد المنازل في الغوطة الشرقية بسورية. وعبر درج المنزل المتهالك، يصل أبو أنس وأبو محمود إلى الصالة الرئيسة، حيث ينتظم «الأخوة المجاهدون» في صفوف وحلقات، لتبدأ عندها ساعة الصفر، آذنة بالدرس الأول في طريق القتال!.

لم يكن أبو أنس ولا بقية رفقته قادة أشداء في «جبهة النصرة»، أو «داعش»، بل هم مجرد صبية صغار، لم يبلغ الحلم أحدهم بعد. هم أطفالٌ قادتهم الحرب الدائرة، لأن يكونوا مغانم سهلة في أيدي مجموعات «القاعدة»، التي راحت وتحت شعارات متنوعة تستقطب هؤلاء الأطفال، في المناطق التي تخضع لسيطرتهم، ولتجلبهم ل «المعاهد» التابعة لها، حيث «العلم في الصغر كالنقش على الحجر»، ولا حجر أكثر طواعية من أطفالٍ يعيشون وسط عائلات فقيرة مشردة، استغلت هذه المجموعات «التكفيرية» عوز أهاليهم وخوفهم وما أصابهم من كربٍ متتالية، لتقايض لقمة العيش والأمن الموعود، بفلذات أكبادهم الذين سيقوا زرافات ووحدانا، لكي يلقنوا خطاباً لا يقوم على العلم والمعرفة، بل على كراهية المخالف وتكفيره، وتعبئة هذه العقول الناشئة بمفاهيم البيعة لأمراء «القاعدة»، الذين لا يعرفون من سيرتهم ولا أفكارهم ولا أشكالهم شيئاً!.

في «معهد أشبال التوحيد»، والذي تديره «جبهة النصرة»، تجد الأطفال الصغار يرتدون ملابس سوداء، وبعضهم يغطي وجهه بأقنعة داكنة، وهم يرددون بشكل جماعي نشيد «أخي أنت حر بتلك القيود»، و«محمد يا جولاني يا ذباح الأعادي»، هاتفين بأعلى أصواتهم الخفيضة «الله أكبر يا عشاق البندقية». فيما المعلمون يدرسونهم مناهج بالجهاد والقتال، لا يستطيعون أن يميزوا الصحيح منها من السقيم. فالمعهد يركز في تعليمه على العلوم الشرعية واللغة العربية، والتدريبات القتالية، كما على ربط سلوك الأطفال، بما يتلقونه من مفاهيم متشددة. ومقابل ذلك، يتم توفير المواد الغذائية، ولوازم الدراسة، ورحلات «ترفيهية» للمنتسبين.

حول بركة سباحة، راح يحتشد عشرات الأطفال من أشبال «النصرة»، وعدد من المعلمين يدربونهم على تمارين رياضية، فيما مرافقون كبار آخرون، يقفزون بسراويلهم إلى الماء، قبل أن تعطى إشارة الإذن للأطفال المساكين، ويتقاذفون واحداً تلو الآخر في البركة. مشهد تراجيدي يختصر الحكاية، وكأن هذا الحوض ليس معبأً بالماء، وإنما بالجهل والتشدد، الذي يقذف فيه الأطفال دون أن يعوا أنهم يسيرون بضحكاتهم البريئة نحو مستقبل مجهول مظلم، المحطوظ فيه من يعود سالماً، ومن يبصر النور في منتصف الطريق، قبل أن تسرق عمره عبوة ناسفة، أو رصاصة طائشة!.

الأمر لا يتعلق ب «جبهة النصرة» وحدها، بل تنافسها في ذلك «داعش»، والتي يظهر في أحد فيديوهاتها شاب، يخطب في جمع من الأشبال، مبشراً إياهم بفتح روما! وفيديو آخر نشره «مكتب النخبة» في «دير الزور»، يظهر طفلاً يحفر قبراً، وعندما يسأله شاب بمحاذاته: ماذا تفعل؟ يجيب الطفل: أنا أحفر قبري بيدي، أريد أن أكون شهيدا!.

إلا أن ما يختصر تراجيديا المشهد، هو حوار بين طفلين، أحدهما اسمه «أبو عمارة»، يسأله صديقه: ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟. ليجيبه «أبو عمارة»: أريد أن أصبح في المستقبل مجاهداً في سبيل الله!. وهو الجواب الذي لن يقود لجهاد البناء وتعمير الأوطان بالعلم والمعرفة والمحبة والتعايش، وإنما سيقود لطريق حتمي واحد وهو «الموت»، فهذه المجموعات التكفيرية لا تجيد سوى «القتل» وتلقين «ثقافة الموت»، ولا ثقافة أخرى تحسنها سواها!.