آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 5:03 م

مزاج علني

التدعشن له جذره الغائر

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

وسط لُجةِ الجنون المستحكم في الوطن العربي، حيث البندقية والساطور هي الحكم، والرفعة لأصحاب الصوت العالي والضجيج، وسط هذه اللجة، لا بد أن تكون هنالك أصوات شجاعة تواجه التطرف في جذره العميق، وأسه المكون له، لا مجرد مقاربة القشر الخارجي للظواهر، أو العلاجات السطحية والمرحلية، والتي لا تعدو كونها لقاحاً آنياً، يمنح قوة للتطرف ويطيل من عمره، عوض أن يقوض أركانه!.

هنالك كمٌ هائل من الكتابات في الصحف العربية، من الأطلسي حتى الخليج، حد التخمة، تُكيل النقد والهجاء ل» داعش» وأخواته، من التنظيمات الأصولية التكفيرية. وهي مقالات أهرقت بحاراً من الحبر، إلا أن القليل منها هو ما كان علمياً وجاداً في تحليله ل» داعش» بوصفها جزءاً من مكون الثقافة للفرد العربي المسلم، وبوصفها نبتاً خرج من الخطابات الدينية التي أنتجها العرب والمسلمون. خطابات أضفى عليها البعض هالة من «القداسة» تمنع مقاربتها، أو مساءلتها، أو حتى السجال الفكري العلمي معها. وهذا التبجيل المفرط للأفراد والأفكار، خلق حالة من الصنمية والسكون، جعلت العقل حبيساً في أدراج مظلمة، تعلوه أطنان من الغبار الذي لا يزيح شيئاً، لا الحملات الإعلامية، ولا المواجهات العسكرية. غبار أسود لا يمكن أن يبصرَ المرء من خلفه أي نور، إلا إذا سلطنا عليه شمس المعرفة والحكمة والفلسلفة، مخرجين هذا العقل المسكين من حالة التسليم المطلق لآراء الرجال، ليكون عقلاً نقدياً وقاداً، لا يركن إلى ماضوية بائسة انتهى أوانها.

نحن إذن بحاجة ل» الدخول على الأحداث من خلال مشارط الأسئلة والمحاسبة، ذلك أن خطط التصحيح ودعوات النضال وصراخ الاعتراض لم تكن ناضجة بما يكفي خلال العقود، بل والقرون الماضية؛ إذ تغيب رهانات أساسية وعلى رأسها الرهان الفلسفي في التغيير من خلال طرح المفاهيم والبرامج المدنية الواضحة التي تؤسس لمعنى دنيوي محض يخدم الإنسان ولا يظلمه» كما يقول الباحث فهد الشقيران، في مقال له بصحيفة «الشرق الأوسط»، معتبراً أنه «ما لم نجرؤ على نقاش الأسئلة الجوهرية وعلاقتها بالتغير والتحوّل نحو مستقبلٍ آخر، فإننا نكرر نماذجنا من دون أن نشعر، والتغيير من جنس النموذج المتخيل، ولا أرى أي نموذجٍ استطاع أن يخرج من تيه الظلام وثقافة الاستئصال وأحاديث الموت». هذه المقاربة التي يقدمها الشقيران للأساس الفكري الذي بنى عليه المتطرفون في الفكر العربي أدبياتهم، يشدد عليه ويتابعه، هاشم صالح، التلميذ والشارح الوفي للمفكر الجزائري الراحل محمد أركون. والذي كتب مقالاً في ذات الصحيفة بعنوان «من الإصلاح الديني إلى التنوير الفلسفي»، يطرح فيه إشكالية الإصلاح من خلال ثنائية الأولويات «المعقدة»، محاولاً الإجابة على سؤال: هل نحن بحاجة إلى إصلاح ديني أم تنوير فلسفي؟. ليجيب بقوله «إننا بحاجة إلى الاثنين معا؛ الأول يمكن أن يقوم به رجال دين مستنيرون ومطلعون على عالم الفكر وتطوراته. والثاني يمكن أن يقوم به المثقفون العرب الحداثيون. فالإصلاح الديني لكي يترسخ ويكتسب مشروعيته الجماهيرية يُفضَّل أن يقوم به علماء الدين العقلاء الكبار. أما التنوير الفلسفي فمن اختصاص المثقفين العرب دون أن يعني هذا إقامة جدار عازل بين الطرفين».

إن ما أشار له هاشم والشقيران، هو الجادة التي من المُلح أن يسلكها من يريد أن يفكك الخطاب الأصولي للمتشددين، ويفقده مشروعيته، ويبين مكامن الوهن والتعفن بداخله. كون هؤلاء «المتدعشنين» يستخدمون غطاء دينياً شرعياً، يتكئ على الفقه والسيرة ومنظومة متشعبة ضاربة بأطنابها في بطون الكتب، وهي الكتب التي يجب ألا تكون لها قداسة، لأنها منتج بشري، لا أقل ولا أكثر!.