آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 5:19 م

مزاج علني

انعزالية المثقف العربي وادعاء المعرفة!

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

يبدو أن كثيراً من المثقفين في الوطن العربي، يضيقون ذرعاً بنقد الآخرين لهم، لا يطيقون أن يكون هنالك شعاع من معرفة يُسلطُ على مقولاتهم الفكرية التي يطلقونها، وكأنها نصوص مقدسة، لا يدانيها الباطل. تاركين لأنفسهم حق نقد المختلف، وحابسين هذا الحق عن الآخرين. هو احتكار المعرفة، وادعاء القبض على الحق المطلق، وكأن الجوهر هو ما يقبض عليه هذا المثقف، وأكفُ الآخرين اسودت من الفحمِ الذي تظنُ أنه ذهب!.

أبو يعرب المرزوقي، المفكر التونسي، وأستاذ الفلسفة، كان له موقف «خاص» من جريمة شارلي إيبدو، حيث اعتبرها نتيجة ل «نزاع القيم، ضمن صراع الحضارات». بحسب تعبيره على صفحته في «فيسبوك»، ضمن رده على مقالة الإعلامي تركي الدخيل، واصفاً الأخير بكونه «متعالماً». و«المتعالمون سرعان ما يحكمون حتى قبل أن يقرأوا. لأن همهم ليس طلب الحقيقة بل إخفاء أن علمهم تعالم»، بحسب ما سطر. وهذا الوصف «الازدرائي»، جاء بعد أن كتب الدخيل مقالاً بعنوان «أساليبهم في تبرير مجزرة باريس»، انتقد فيه موقف المرزوقي من حادثة قتل الصحافيين الفرنسيين، ومعتبراً أن المرزوقي «يساوي بين الفعل وردة الفعل»، مبيناً أن ما قام به «القتلة»، يندرج بكونه «فعلاً إجرامياً يتجاوز كل الأعمال البدائية أو العادية والأخطاء الطبيعية، المجزرة جريمة وليست «ردة فعل» كما يقول المرزوقي».

النقاش السابق، يكشف عن إشكالية حقيقة لدى عدد من المثقفين العرب. فالمرزوقي الذي قضى سنوات بين متون الفلسفة العربية والغربية، لم يستطع أن يتقبل بصدر رحب مقالاً كتبه الدخيل، كانت له وجهة نظر مختلفة. وهي وجهة النظر التي تحتوي الكثير من «المعقولية» - بحسب رأيي -، وليست «سطحية» كما سعى المرزوقي لإظهارها.

على حسابه في «تويتر»، كتب المرزوقي «جل المتفلسفين في إصلاح الدين الإسلامي ليسوا فلاسفة ولا علماء دين: من جنس أركون في فرنسا وناصر حامد أبي زيد في مصر والشرفي في تونس.. إلخ».

التغريدة السابقة، تندرج هي الأخرى ضمن سياق «الأنا المتضخمة»، التي لا تبصر سواها. فإذا كان السيد المرزوقي يدعي العلمية والموضوعية، فكيف يمكن أن يسلب صفة العلم عن محمد أركون ونصر حامد أبو زيد. وكلا الرجلين ممن لهم كتب وبحوث ومحاضرات، تحتوي على ما قدموه من فكر وعلوم.

إن من حق المرزوقي أن يعبر عن اختلافه مع فكر أركون وأبو زيد، ويقدم قراءة علمية نقدانية لأطروحاتهم، لكن أن يخرجهم من سلك العلماء قاطبة، فهذه دالة «كيدية» في الموقف، و«ضغينة» نفسية أو أديولوجية تجاه الرجلين!.

بالعودة إلى جريمة «شارلي إيبدو»، فإن ما وصفه المرزوقي ب «صراع القيم»، هو مفهوم ملتبس في استخدامه. لأن العنف والإرهاب، لا يمكن أن نطلق عليهما مسمى «القيمة»، حتى يكون هنالك صراع بين العنف من جهة، وحرية التعبير من جهة أخرى. كما أن الوضع ليس كما حاول أن يصوره بكونه صراعاً بين «حرية التعبير» و«احترام المقدسات»، لأن «المقدس» لا يتمظهر واقعاً كفعل «عنفي»، ولا يمكن أن يختزل ك «قيمة» في ردات فعل دموية، تحاكم سياقاً ثقافياً من خارج منظومته الفكرية والفلسفية التي ابتنى عليها.

صراع الحضارات الذي أشار له المرزوقي هو الآخر، ابتسار لمفهوم الحضارة بحد ذاته. فهل الحضارة هوية مغلقة ذاتية، بنزعة انعزالية أقلوية، أم أنها فعل تراكمي بشري، يكون من خلال البناء المعرفي والتداخل بين الثقافات والشعوب، لبناء فكري ومادي وروحي له صيغة إنسانية، بهوية مفتوحة، لا تضيق ذرعاً بالآخرين.

هي إشكالية عميقة في الفكر العربي، لا يمكن أن تسرد في بضع كلمات. إلا أن الخطر يكمن في تغول هذا «العنف» المفاهيمي والرمزي، في متون الخطابات التي تقدم ذاتها بوصفها «عقلانية»، فيما هي تمارس انعزالية وازدراء ضد الآخر، بوعي مرات، ودون وعي في أحايين كثيرة!.