آخر تحديث: 14 / 11 / 2018م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

مأزق الدستور بين التجربتين العراقية واليمنية

فؤاد الفضلي *

في التجربة العراقية منذ الاحتلال الأمريكي حتى الآن، وقع عدد من الأخطاء الاستراتيجية، ولكن «الموقف من المحتل» و«صيغة الدستور المعتمد» كانا أهم تلك الأخطاء على الإطلاق من الناحيتين السياسية والشرعية.

فرغم تجربتها الطويلة لعشرات السنين في الثورة الفكرية والنضالية ضد النظام البعثي وقبله الشيوعي وفي سني الغربة إلا أن قادة هذه الأحزاب «باستثناء ما ندر» وقفوا موقفاً خالفوا فيه كل أهدافهم الرسالية الإسلامية والأسس التي بنيت عليها أحزابهم في هاتين المسألتين.. مهما كانت التبريرات التي رددها وما زال يرددها قادة الأحزاب الإسلامية السياسية والقوى الدينية في العراق.

في مسألة «الموقف من المحتل» كان موقفهم خلاف الموقف الشرعي الذي يوجب الثورة على الأمريكان كما كان يوجب الثورة على النظام البعثي المستبد، والخطاب هنا للأحزاب الإسلامية التي ينبغي أن تكون منطلقاتها شرعية ومبدئية فلا يفيدها ولن ينقذها تاريخياً الالتفاف على الثوابت الدينية بتبريرات وانزلاقات فرضتها دهاليز السياسة وفيها ما فيها من فنون تقلب الباطل حقاً والحق باطلاً.

هذا الموقف تم استدراكه وتداركه وإن متأخراً وألزم المحتل بالخروج... ولكنه لن يخرج مسلٓماً القوى الإسلامية المتناغمة مع محور معارض له وقد تتحالف معه في أية لحظة، لن تسلم الحكم بسهولة لهم.

لذا، كان دور الدستور الممزق للعراق الذي كان قد هيئ وأعد مسبقاً وجرٓب لإشعال وإبقاء الطائفية والقومية في العراق، هو الحل للمضي في عملية تدميره وتقسيمه وإركاعه في حال عدم عودته إلى الحضن الأمريكي.

وأما تجربة وضع الدستور «وهي موضوعي هنا» فهي الخطأ الاستراتيجي الأخطر الذي لا ندري كيف وقع فيه كل من شارك في إعداده وهلّل وطبٓل له من أحزاب إسلامية ووطنية وعلماء وأساتذة وخبراء.

الدستور الذي وضع برعاية الأمم المتحدة الخاضعة لهيمنة أمريكا والغرب مباشرة وبمشاركة كردية متحالفة لها أهدافها الخاصة، كانت نتائجه تجربة مريرة وقاصمة تكشفت لهم بعد حين وكانت خنجراً أوقف نجاح الدولة العراقية الجديدة وشرّحها إلى محاصصات سياسية ومناصبية.. ويتم تحريكه بالاتجاه المطلوب كلما دعت الحاجة.

السياسة الأمريكية والبريطانية في العراق عرفت وتعرف نقاط الضعف والقوة في المجتمع العراقي والمنطقة ولعبة الدستور كانت محصلة لهذه المعرفة الدقيقة كي لا تخسر العراق كما خسرت إيران من قبل.

وهناك نقطة مهمة أخرى في الدستور وهي أنه «دستور علماني» وضع بمباركة أحزاب وقيادات إسلامية تدعي كلها انتسابها للشهيد المفكر محمد باقر الصدر «قده» الذي شارك في كتابة دستور الجمهورية الإسلامية في إيران، وتدعي انتسابها لمفكري الدعوة الإسلامية في العراق الذين كتبوا بحوثاً علمية في التنظير للفكر السياسي الإسلامي نشير منها لكتابات سماحة الوالد لاطلاعي عليها في كتبه «في انتظار الإمام» و«الدولة الإسلامية» وله مقالات عديدة في نظريات الحكم الإسلامي منها مقال كتبه ونشره في ستينيات القرن الماضي بعنوان «نحو دستور إسلامي»، ويدلٓ هذا المقال وأمثاله أن مفكري الدعوة كانوا - منذ ذلك الوقت المبكر - يفكرون ويعدٓون للمستقبل.

ترى ما معنى وكيف يكون الانتساب لفكر الشهيد الصدر ومفكري الثورة إلا من خلال تطبيق نظرياتهم وأطروحاتهم، لقد غدى انتساب الجمهورية الإسلامية واعتنائها العلمي والعملي بمفكري الثورة الإسلامية بالعراق أكثر بكثير من اهتمام وانتساب الساحة العراقية إليهم، وهو ما يدل عليه اتخاذ إسلاميي العراق الشهيد الصدر وقادة الدعوة شعارات يتغنون بها لا مصادر فكر ومعرفة وإلهام ومشروع حضاري.

لقد كان دستور الجمهورية الإسلامية يعتبر دستور الشهيد الصدر، فكان على أقل تقدير أن يكون أحد مصادر لجنة إعداد الدستور العراقي اعتزازاً بمفكرهم الصدر وصدق انتسابهم إليه.

سمعت سماحة الوالد رض يقول في محاضرة أن الدستور الإسلامي أهم وثيقة في الجمهورية الإسلامية ويجب أن تكتب عليه شروحات كثيرة ومتنوعة لكي يدخل في عالم الدراسات القانونية والعلمية ونخدم من خلالها ديننا الإسلامي الذي نحمل رسالته إلى الناس.

أعلم أن وضع العراق يختلف عن إيران، ولكنه لا يختلف كثيراً، ففي إيران شيعة وسنة وأكراداً وديانات وقوميات متعددة، والوضع في العراق يسمح بدستور إسلامي يناسب العراق لو كان هناك مشروعاً لهذه الوثيقة المهمة لدى الأحزاب الإسلامية قبل استلامهم للدولة.. فقدان هذا المشروع دلّ على أنهم «قادة معارضة» وليسوا «قادة دولة»، كان لديهم المشروع والأهلية للمعارضة ولم يكن لديهم الرؤية والمشروع للدولة ورجالاً أعدوا لبناء الدولة، ولو استعانوا بغيرهم لكان أسلم كما استعانت الجمهورية الإسلامية بالشهيد الصدر ورفاقه من مفكري الثورة الإسلامية في العراق. قد يكون الشهيد السيد محمد باقر الحكيم وبعض القادة الأوائل يملكون مثل هذا المشروع والوعي وقد تكون تصفيتهم من المحتل في بدايات التغيير لقطع الطريق أمام من قد يقف في وجه دستورهم وخططهم للسيطرة أو التدمير.

وكان قبول المسألة الكردية في مواد الدستور غباءاً سياسياً بامتياز، والخيار الآخر كان أسلم وأصلح للدولة وهو تسليمهم حكماً ذاتياً وإخراجهم من الحكومة المركزية كاملاً وكان أقوى للشيعة والسنة على السواء وكان أضعف للأكراد من وضعهم الحالي المتحكم ببغداد، ولكان بالإمكان لو اعتمد في الدستور أن يسهل ويمهد لوضع دستور إسلامي لأن الكرد كانوا هم المعارضين بقوة له وبدعم أمريكي، وقد يكون هذا هو الحل الأنسب للعراق الآن لتعديل الدستور بهذه الصورة ووضع دستور جديد.

من الكلمات التي سمعتها من الوالد «رض» أن الكرد يستحقون أن يكون لهم كيانهم ودولتهم كبقية القوميات، والجغرافيا والدين يجمعنا معهم.. ويكون تحالفنا الإسلامي أقوى لو حلٓت مثل هذه المشكلات التاريخية وأمثالها بعقلانية.

ومن خلال هذه التجربة المريرة للأحزاب الإسلامية العراقية مع وثيقة الدستور الأممي، يتبين لنا أهمية موقف أنصار الله واللجان الشعبية في اليمن في رفضهم لدستور الأمم المتحدة التقسيمي حيث استفادوا من تجربة العراق المريرة في دستورها التقسيمي وحربها الداخلية الطائفية والقومية وقبلها تجربة الدستور اللبناني وحربها الداخلية الطاحنة. نتمنى أن ينجح ثوار اليمن في تأسيس دستورهم ودولتهم كما يليق بهم باستقلالية عن الضغوط الدولية وغيرها، وتكون مرجعيتهم الإسلامية فوق كل المرجعيات الأخرى.

يجب على كل من يحمل الإسلام رسالة وفكراً أن يكون فطناً يقرأ تجارب الصراع في المنطقة ويستفيد منها في حراكه.

والله تعالى من وراء القصد وعليه توكلنا.