آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 5:03 م

مزاج علني

انفجار الهويات والتفكير الأقلوي!

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

ليس بمقدورك أن تقف هكذا، دون أن تحوم الغربان فوق رأسك، ودون أن تُفقأ عينك بمناقيرها الداكنة.

زرقة السماء، السحابُ المثقلُ بالغيث، أو الشمس الساطعة، وهي تنشر خصلاتها الدافئة على صدر العالم.. حتى ذلك القمر الكسول، المغمسُ في حليبِ العشاق، بات مُحمراً، لا خجلاً، ولا طرباً، بل هي حمرة الدمِ القانية.

الهواء الطري لا يداعب صدرك، ولا تتنفس النقِي من أوكسجين، إلا وتراه مثقلاً ليس بذرات من غبار، بل حجارة صلدة، تمزق الرئة الرقيقة!. هي ذي الفضاءات عندما يصعد لها دُخان الحريق الرهيب.. الشرار المتطاير جراء رماح لم يبصر فيها عنترُ عيني عبلة، ولا خيالها الذي كان يلوحُ له كلما نزل سوح الوغى. فوجهُ المحبوبة حجبه جدارٌ بات يرتفع شاهقاً يوماً بعد آخر، كجبل لا يطوف به طائر «السيمرغ» باحثاً عن الحكمة، بل تحوم في أسفله الضباع، وفي أعاليه الغربان بريشها الذي ينثر السواد المقيم.

الجدران باتت اليوم أبنية من نار، تشاد دون نوافذ ينسابُ منها الهواء، ودون كوات تبصر عبرها العيون المغلقة. هي جدران العزلة، عزلة من لا يروم لسواه إلا الموت، فيما هو يقود ذاته إلى هلاك مشابه، وربما أسوأ!.

هي الهويات من تضخمت، حتى انفجرت، واستحالت إلى سياج لا يراد للعقل أن يخترقه، ولا يراد ل «الجماعة» أن تخرج عن طوقه، أو تطفئ ناره، أو تشير بسبابتها له، وتقول: ما أبشعه من بنيان وما أنتن رائحته الكريهة.

الهويات اليوم في العالمين العربي والإسلامي، هي من تحرك العقل الجمعي، وتجعله عقلا ذا نزعة «أقلوية»، تتوجس من المختلف، وتكيل له السباب المضحك، وترسم له صورة الشيطان المرتدي زي المحارب تارة، وثياب المُهرج الملونة، تارة أخرى.

في مرحلة «ما بعد الحداثة» في الفكر الأوربي وفي أمريكا، بدأ الأصوات الناقدة ل «التفكير العقلاني المحض» في البروز، بوصفها مراجعات لمرحلة «الثورة الصناعية» و«التنوير» وما تبع ذلك من أفكار ونظريات، وهي مراجعات أتت في سياقها الغربي، متوقفة في أكثر من محطة عند إخفاقات «العقل» في تحقيق غاياته الكبرى التي رسمها، ولذا عادت وأعطت قيمة ل «الهويات الفرعية»، بوصفها جزءاً من مكون «الهوية الجامعة» وليس بوصفها مقابلاً أو نقيضاً لها. وهي القيمة التي أتت بقدرٍ محدد، دون تضخيم، أو تحقير. ومن هنا نجد التركيز على دراسة المجتمعات في تصنيفاتها العرقية والدينية، وإعادة طرح مفاهيم ك «الجندر» و«الملونين» و«الأقليات» وسواها من المفاهيم التي راح الباحثون يحاولون فهما من خلال سياقها الإنثروبولوجي والسيسيولوجي عالمياً. أي إن إعادة الاعتبار لم تكن للتفكير «الأقلوي»، بل ل «العلم» كونه أداة تقود لتنظيم التنوع، وإعادة بناء المجتمعات بغية تحقيق رفاهيتها، وتكريس مسيرة التراكم في صناعة الحضارة البشرية.

السياق السابق المشار له، هو سياق فلسفي معرفي بحت، تدخل فيه السياسة والاقتصاد وحتى التقنية، بمقدار. وهو الولوج الذي يأتي ضمن «تداخل العلوم والمعارف»، لا استخدامها أداة في الصراع والتحارب.

وعليه، هنا يكمن الفرق بين حضور «الهوية الفرعية» كأداة للبحث والمعرفة، وبين حضورها عربياً كجزء من تأكيد الذات لنفي الآخر، وكأداة لشد العصب «الجمعوي» للتحشيد ضد المختلف، إمعاناً في البعد عنه ووضع حاجز دون التداخل معه.

الهويات «المريضة» في العالم العربي باتت لاتُحرك جموع الناس وحسب، بل تراها تسيطر عن «النخب» العربية، التي صارت جزءاً من ال «هُم»، جزء من العقل الشعبوي، راضخة ومنقادة لغرائزية «القطيع».. قطيع يسير بفرح راقصاً إلى الهاوية، حيث لا شيء عدا العماء المقيم، والضباعُ تنتظر ما يُلقى لها من جثث!.