آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 4:43 م

مزاج علني

«نحنُ التاريخُ محشواً فينا»!

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

أدينُ في العنوان أعلاه، للشاعر اللبناني وديع سعادة. وتحديداً في مجموعته ”غبار“، الصادرة العام 2001، والتي حصلتُ عليها حينها هدية عبر البريد، بعثتها الصديقة الشاعرة سوزان عليوان.

في هذه المجموعة الصغيرة، تأملات وجودية وفلسفية، تأخذ قوالب لغوية متنوعة، تفضلُ في كثير من الأحيان، الاتكاء على الوخز الذهني، عبر لغة صافية، تتفاوت شاعريتها من نص إلى آخر. بين عدمية أحياناً، وتقريرية مباشرة أحايين أخرى، والنص المبني على الجُملِ المتتالية، في عصف ذهني، وصور رمزية جمالية، كما في نص ”جمالُ العابر“!.

هي على صغرِ حجمها، إلا أنها مجموعة تستحق القراءة، على الأقل بالنسبة لي، كون عدد من نصوصها لامس شيئاً داخلياً في ذاتي، وذهبت لمناطق غائرة في الروح والذهن معاً!.

ليس المقامُ للنقد هنا، والمراجعات الأدبية، فتلك لها أدواتها. وإنما المرادُ، كيف يتحول التأمل الذاتي للكاتب، إلى خطاب إشكالي عام، وإلى أفكار دافعة نحو الاستفهام، ومحفزة على السؤال، ونافضة الكسل عن الذوات الناعسة.

في نص ”غُبار“، يقول سعادة ”مقفرةٌ الطرقاتُ وهابّون وحدنا. الأرضُ صارت غباراً وها نحن نكمل حياةَ الغبار“.

هي فردانية الشاعر، أو الفيلسوف، عندما يذهب في أفكاره، دون اكتراثٍ لما حوله. دون وجعٍ لوحشة الغابِ أو قلق من صوت الذئابِ العطشة!.

أكثر من ذلك، ”ما كان الأرض لا يشبهنا. إنه نقيضنا ونحن أنقاضه. وما جئنا لنكمل تلك الأرض بل لننقضها“. هي جدلية المحو والإثبات. أو كما يقول حسين مرهون ”وعلينا السؤال الجماعي، وعلى غيرنا تقع الإجابة“. فعملية نقض السائد، وتقويض بنيانه المعرفي، هي مسؤولية المثقف، بغية بناء أفكار جديدة. أفكارٌ ليس لها آباء بمعنى وصاية العصا الغليظة. وإنما هي بناتُ حينها، ونتاج أصحابها، وما يواجهونه من إشكالات وجودية في حيواتهم المتتالية.

إذن، عملية ”النقض“ هنا، هي في حد ذاتها بناء. وهي فعل حداثي بامتياز. فالحداثة في إحدى تجلياتها ”هدم لقيم فكرية قديمة، واستبدالها بمفاهيم جديدة“، كما يرى أدونيس. هي الذهاب بعيداً عن القداسات الكاذبة والتبجيل المفرط، الذي يقود إلى أن تقبع العقول في زنازينها المظلمة.

إن إحدى المشكلات العميقة في الفكر العربي المعاصر، رغم راهنيته، هو انشداده للماضي. هو ذلك القيد العتيق الذي يسلب منه المقدرة على الانعتاق. هو البحث الدائم عن الحلول الجاهزة بين الكتب المصفرة، وفي طيات تجارب الأمم السابقة. هي بالتحديد إشكالية تفصح عن عدم إحساس بحركية الزمان، وعدم إدراكٍ لأهمية المستقبل، وأن الحلول لا يمكن أن تخرج من الماضي، وإنما هي نتاج عملٍ حاضرٍ مستمرٍ مرتبط بالغد، لا الأمس!.

من هنا، يرى وديع سعادة ”نحن لسنا ذاتنا. نحن التاريخ محشوا فينا“. معتبرا أن ”التاريخ سجاننا وجلادنا.. وإن كان لهذا الجلاد حفلٌ فرح، فنحن فيه الدمى المتحركة“.

الحفل الذي أشار له سعادة بكوميديا سوداء، نراه ماثلاً في طرائق حياة الناس وتفكيرهم. في أسلوب صياغتهم لعلاقاتهم المجتمعية، أو حتى قراءتهم للمتغيرات السياسية والثقافية وحتى الفنية من حولهم. فالتاريخ هو ما يتحكمُ في العقول ويسيرها، ويعطيها قيمتها بنظرِ مبجليه.

من هنا، ”إن أردت أن ترى التاريخ، انظر في وجهك. ترَ ذاكرته وكينونته، وترَ عدمك“!.

هو عدم اختارته الكثير من المجتمعات والأفراد بمحض إرادتها، معتقدة أنها بهذا الاختيار تحقق خياراتها، دون أن تعي أنها تسلب وجودها قيمته، وتحول ذاتها إلى محضِ ”غبار“.