آخر تحديث: 15 / 10 / 2021م - 11:04 م

جرح القديح.. الجرس الأخير

نجيب عصام يماني صحيفة الوطن

يا الله.. أفي بيت من بيوتك المكرمات.. وفي يوم من أبرك أيام الأسبوع.. وفي ساعة تفتح فيها أبواب الإجابة للسائلين.. وفي لحظة تصطف فيها القلوب قبل الأبدان تلقاء البيت الحرام مطمئنة إلى ربها، خاضعة له بالركوع طوعا والسجود خشوعا.. أفي هذه اللحظة بالذات يندس شيطان الإنس ليقترف جرما تقصر عن وصفه الكلمات، وتتقاصر عن بشاعته الحروف الواصفات!!

يا الله.. إن القلب مثقل بحزن كثيف، والخاطر تدميه رؤية الأشلاء والمزق المتناثرة من أجساد تطهرت وخفت إلى نداء الطمأنينة في يوم الله الجامع.. بأي ذنب قتلوا، وبأي جريرة سيموا الخسف.. ولأي غاية يحدث كل هذا الذي يحدث؟!

ليس من الحكمة في شيء بعد اليوم، وليس من المعالجة البصيرة أن نتسلق الحوائط القصيرة، وندس الرأس في رمال التبريرات الجاهزة عند كل حادثة كريهة، وفعل ذميم كالذي حدث في مسجد علي بن أبي طالب ببلدة القديح في محافظة القطيف، ونردد أحيانا بعض الأقوال مثل: «صبية مغرر بهم».. إذ لا بد من الذهاب أبعد من هذه التوصيفات.. علينا أن نوجه الأسئلة بشكل صارخ وواضح، ونرمي بها في وجه المعنيين تصريحا غير محتمل للتأويل والتلميح، خصوصا وقد استطاعت وزارة الداخلية أن تعلن عن أسماء الخلية التي تبنت هذا الفكر. وما نريده أن نرى منظري هذا الفكر وقد طبق عليهم حكم الشرع الحكيم، فما عاد يجدي مع هذا العنف المتزايد أن تدحرج كرة الاتهام دون أن تحدد شخصا بعينه، أو جهة باسمها.. ما أيسر التحديد، وما أوضح الشخصيات، وما أجرأ خطابها الذي تطرحه علنا عبر وسائل التواصل دون خوف من رقيب، أو خشية من محاسب!

طفح الكيل.. لا بد أن ينكشف هذا الفاعل الذي يغرر بأبنائنا ويسوقهم إلى محارق الموت، وثقافة الكراهية، وشهوة الدم، وموائد الإرهاب اللئيم.. إن بقاء الفعل منسوبا إلى مجهول لن يلد إلا مزيدا من الحوادث المثيلات لحادثة القديح وغيرها.. إن الأسر تتحمل في هذا قسطا وافرا من المسؤولية، فكيف يفلت من بين يديها من أنشأته وربته، فلو أنها وطنت في قلبه الاعتدال، وزرعت في قلبه حقيقة الإسلام البهية الناصعة، فقد حصنته حينئذ من غوائل التطرف الذي يجول بألسنة امتلأت أجوافها حقدا وضغينة، واتخذت تحريك الدمي لتنفذ لها من بوابة الموت ما يبقيها على حياة مغموسة في عطن اللوم، وخبث الطوايا، ونتن العقول.. إن كان ثمة تحرك فاعل ومؤثر وقوي، فليتجه إلى هذه الأفاعي الرابضة في حجورها، فهي التي مارست غسل الأدمغة، واستبدلت نعمة العقول بألغام الموت الزؤام..

علينا أن نذهب مباشرة إلى تسمية أصحاب الفكر الضال، وتعقب مسارات ما تقوم به، وكشف بؤرها داخليا وخارجيا.. لا يصح أن نظل في خانة رد الفعل، ننتظر التفجير والموت ثم نشرع في التحليل والبحث عن مصادر الخطر.. ما دامت مصادر الخطر قد استبانت على وجه التحديد الذي لا يحتمل التخرص والظنون، فلا أقل من فعل مباشر يباغتها في مكانها، ويمسك يدها قبل أن تنزلق بالسوء إلى أرض الحرمين الشريفين، وهو أمر تسنده كل الشرائع؛ السماوية منها والوضعية التي تواطأت عليها أمم الأرض في عصبتها.. ففيم الحذر بعد اليوم، ولم التباطؤ والريث والمهل..

إن أنكأ ما في حادثة القديح أنها جاءت في وقت كان يتحتم أن تكون فيه مستشعرات الخطر في أوج كفاءتها، فليس بخافٍ على أي أحد الظرف السياسي والأمني الدقيق الذي يمر به وطننا الغالي، ونوافذ الشر أصبحت معروفة ومكشوفة، فكيف استطاع هذا المسخ المشوه المدعو «داعش» أن يخترق كل الأسوار، خصوصا أن هذه الفئة التي لم تترك مسلما إلا وصمته بالكفر، ولا مخالفا لها إلا جردته من شهادة الإسلام، قد عاثت فسادا، إلى غاية أن تحتفي بما أقدم عليه هذا الهالك الذي نفذ جريمة مسجد القديح، وترقص طربا على أشلاء وجثث القتلى، فما أقسى العبارات التي «نعق» بها أحد «الدواعش» على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»!!

قلتها قبل ذلك في مقال سابق، وأكررها اليوم، ليس من الحكمة في شيء أن نتموضع في خانة رد الفعل، إذ لا بد من المبادرة، وأخذ زمام الفعل الحاسم تجاه هذه الفئة المارقة، لا بد من فعل حاسم وواضح الأهداف والنوايا، ولا مجال في هذا إلى انتظار الدول الغربية أو مجلس الأمن أو الأمم المتحدة، فمن أراد أن يعرف فعلها تجاه هذه الفئة الضالة فلينظر، وليسأل نفسه هل صدرت عن هذه الدول مجتمعة أي ردة فعل تجاه «داعش»، هل ردة الفعل التي تقوم بها أمريكا اليوم تتناسب وحجم الخطر الذي تبثه «داعش» في المنطقة، وهل عرضت أي دولة من هذه الدول أي نوع من الدعم، سواء على المستوى العسكري أو اللوجستي في سبيل القضاء على هذه الآفة الإنسانية!!

الإجابة المضمرة منكم جميعا تحتم علينا أن ننهض في وجه هذا الخطر بأنفسنا، وأن نتنازل عن التبريرات الجاهزة، والتوصيفات المعلبة، فالخطر تجاوز الأطراف وبات يضرب في العمق.. فهل من مدرك لحجم الخطر؟!.