آخر تحديث: 1 / 8 / 2021م - 9:32 ص

دماؤنا التي تراق

حجم التلاحم والتآخي

خليل الفزيع * صحيفة اليوم

لم تزل أحداث العنود وقبلها احداث القديح جرحا غائرا في ضمير الوطن، ولم يزل شهداء هذين الحدثين الجليلين علامة على الفداء تسجل بأحرف من نور في تاريخ هذا الوطن، كما هم شهداؤنا في الجنوب وفي أي ثغر من ثغور الوطن، ولم يزل المواطن يعبر عن مواجعه من خلال كل وسائل الإعلام المتاحة، ومن شهد تجمعات العزاء في المناسبتين يدرك حجم التلاحم والتآخي بين أبناء هذا الوطن العزيز، وحرصهم جميعا على الوقوف صفا واحدا في وجه كل ما يعكر صفو أمن هذه البلاد ويسيء إلى استقرارها، ولدفع الأخطار المحدقة بها، وكشف المؤامرات التي تتعرض لها من أعداء الحياة والحب، بكل أحقادهم وسواد نفوسهم وبؤس مساعيهم، وسقوطهم في مستنقع العداء المتراكم عبر قرون من الزمان، وقد زادته الأيام تضخما وعمقا، ليتعملق في وجه الحق والفضيلة والسلام، وهو عداء حري به أن يتلاشى مع إشراقة نور الإسلام، ودعوته إلى المحبة والسلام، والود والوئام، كما نص على ذلك كتاب الله وسنة رسوله، عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام.

وإذا كان هناك من يشذ عن هذه القاعدة وينحرف عن هذا الطريق، فإن الدولة له بالمرصاد، والدولة لا تعني فقط جنودنا البواسل الذين يواصلون الليل والنهار لحماية هذا الوطن ومواطنيه، ولكن الدولة هي إلى جانب ذلك، كل المواطنين المخلصين الذين يشعرون ويعون أن دورهم هو اليقظة والكشف عن كل من يرون أنه يسيء لأمن وسلامة الوطن، فكل مواطن هو جندي يحرص على سلامة نفسه وعائلته ومجتمعه ووطنه، وهو أيضا يسهم في بناء صرح هذا الوطن، وحماية مسيرته التنموية الشاملة، وهذه أمور لا ترتبط بمناسبة معينة، كما أنها ليست فورة عاطفية أملتها ظروف طارئة، ولكنها يقين ثابت، وإيمان عميق أن حماية هذا الوطن ومواطنيه هي مسئولية كل مواطن مخلص ووفي لأرض هذا الوطن وسمائه، ولأمنه وسلامته، ولخيراته ومنجزاته، كما أن شعارات التلاحم ونبذ الخلافات لا بد أن تكون ثابتة في كل زمان من تاريخ هذا الوطن، وفي كل مكان من أرجائه المترامية الأطراف، والتعبير عن ذلك بالعمل على تقوية اللحم الداخلية، وإزالة الاحتقانات الطائفية التي لا تزال تسفر عن وجهها، بين فترة وأخرى، وإذا كانت عواطف الناس في مثل هذه الأحداث تصرفهم عن الالتفات لهذه الوجوه القبيحة، وتعزلها عن اهتمام الناس، فإنها لا تهدأ، وسرعان ما تبرز بانتهاء فترة الحداد على الشهداء، لتفرز أحقادها، وتواصل الشحن وتأجيج العواطف، وربما قامت بهذا الدور البشع حتى أثناء فترة العزاء، والقصد هو زرع الفتنة، وتوسيع دائرة الخلاف، وتعميق الجفوة، وهذا الدور الخبيث لا يقوم به طرف دون آخر بل هو دور يقوم به ضعاف النفوس من الطرفين، ممن لهم أجندتهم الخاصة، ومصالحهم الذاتية. شهداء القديح وشهداء الدمام وقبلهم شهداء الدالوة، لا بد أن تظل ذكراهم منارا يهتدي به المواطنون في سعيهم لمحاربة الطائفية، وفي إصرارهم على ردم الفجوة في العلاقات بين السنة والشيعة، وهي فجوة اتسعت بسبب جهل المتطرفين من الطرفين، وحماقة الإرهابيين المرتهنين لسياسات خارجية، لا فرق في ذلك بين طرف وآخر، بل إن هذه الفجوة لم تكن موجودة في الأساس، حتى زرعها الحاقدون الذين أفرزتهم أحداث إقليمية معروفة، ونتجت عن ذلك ردود فعل عنيفة ومدمرة.

دماء إخواننا وأبنائنا في القديح والدمام، وقبل ذلك في الدالوة، هي دماؤنا التي اختلطت بتراب الوطن لتروي شجرة المحبة بين السنة والشيعة، ولتروي أغصان الوفاء لهذا الوطن العزيز، وهو السفينة المباركة التي تمخر عباب بحور التنمية بثقة واقتدار، رغم تلاطم أمواج الإرهاب، وتحديات أثباج التطرف، وجميعها زائلة بإذن الله، ما دمنا نتمسك بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وحتى لا تذهب تلك الدماء هدرا، لا بد أن نعود يدا واحدة في السراء والضراء كما كنا سابقا، قبل أن نعرف التطرف وما يجلبه من الإرهاب والخراب والدمار للأخضر واليابس.

إعلامي وقاص وشاعر، الرئيس السابق لنادي المنطقة الشرقية الأدبي