آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

كربلاء مبادئ إلهية خالدة

الشيخ ابراهيم الميلاد *

ماذا يعني ان يُجدد العزاء كل عام على مصاب سيد الشهداء؟ وان ينتشر الحزن والأسى في مختلف مناطق العالم؟

فلا ترى الا السواد والحداد والبكاء والدموع واللطم على الصدور والضرب على الرؤوس؟

ولماذا كان ذلك من رسول الله ص وائمة اهل البيت ع فعلا وقولا وامرا به وترويجا له وتأكيدا عليه وبذلا من اجل اقامته وتركيزا عليه وتوسيعا لانتشاره؟

لماذا يراد لعاشوراء الحسين ع ويوم كربلاء الدم والشهادة ان تبقى كلحظة حدوثها صرخة مدوية وصوتا هاتفا ونهجا قائما ومسيرة خالدة في المجتمع والامة والاجيال؟ لماذا كل ذلك من الامام الحسين ع ولأجله؟

فلِمَ كانت كربلاء؟ ولِمَ يراد لها ان تبقى وان تستمر في ضمير الوجود ووجدان العالم؟

ان الاجابة على كل ذلك يتطلب الالتفات الى الحقائق التالية والتأكيد عليها:

1/ ان كربلاء مشيئة الهية «تكليف» كانت وكان الامتثال بها على اكمل وجه وفي اعظم مشهد وفي اروع ملحمة بطولية شهدها الكون والحياة والعالم. أولم يقل الامام الحسين ع عندما سئل عن علة خروجه: «شاء الله ان يراني قتيلا»..

فكيف لا يكون ذلك حقا؟!.

وهكذا يمكن ان تتعلم الأمة والاجيال من كربلاء الدم والشهادة بان محور المواقف في الحياة ينبغي ان لا يتجاوز الاوامر والنواهي الالهية باعتبارها الاطار «الحدود» الذي يرسم الوظائف ويحدد المسؤوليات افعالا ورداتِ افعال.

2/ لم تكن كربلاء مجرد موقف عابر وشكلي لإخلاء المسؤولية في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بل كانت موقفا لا نهاية لإخلاصه وصدقه وثباته في رفض الانحراف والظلم والجور في أمة ارادت السماء لها ان تكون رائدة بين الأمم وشاهدة عليها فكرا ومواقف.

ومن ثم كانت كربلاء موقفا حازما وعطاء لا حدود له وتضحيات لا مثيل لها وخلودا لا نهاية له وستبقى ابدا كذلك كما بدأت لا تزداد على كر الليالي والأيام الا توقدا وتوهجا وتوسعا وانتشارا وتمكنا من النفوس وتحريكا للضمائر الحرة.

لقد بدأت كربلاء لتبقى وهي باقية خالدة ابدا لأنها كانت كلها وبجميع تفاصيلها لله وما لله باق ينمو وسيظل كذلك أبدا شجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها..

3/ لقد تجلت عظمة الامام الحسين ع وعبقريته وحسن تقديره وتدبيره في كل تفاصيل نهضته الخالدة من دون استثناء وذلك منذ اللحظة الأولى التي رفض فيها البيعة والى اخر رمق في حياته وما بين ذلك من اقوال وافعال وتنقلات وخطب ومراسلات وقبول ورفض.

وهو أحد الأمور التي جعلت من كربلاء ملحمة الهية لا اروع منها ولا مثيل لها منذ ان كان الخلق والى نهاية العالم.

لقد وضع الامام الحسين ع في كربلاء يوم العاشر من سنة 61 هـ كل شيء في موضعه المناسب وبدقة متناهية مما ضمن لحركته الانتصار وبلوغ الفتح والبقاء والخلود والتأثير الذي لن يتوقف عند زمان او مكان ابدا.

وهكذا يمكن للأجيال ان تتعلم من كربلاء درسا أخر في أنه لا يكفي لغلبة اهل الحق وانتصارهم في أي معركة كانت... مجردُ كونهم على الحق بل ينبغي ان يتبعوا الاسباب في ذلك من حسن الاعداد ودقة التخطيط والثبات في المواجهة.

4/ كربلاء قبل ان تكون مواقف بطولية كانت ولازالت مبادئ الهية حقة ومثلا عالية وفضائل وقيم ومناقب ومن هنا كان الامام الحسين ع وارث الانبياء الذين حملوا تلك المبادئ وجسدوها وعملوا بها وبشروا.. أوليس قد رفض ع الركون للظالمين والبيعة لهم وأعلن تمرده عليهم ورفض كل اغراءتهم وثبت على كل مواقفه تلك حتى نال وسام الشهادة وبلغ اعلى درجاتها بعد ان قدم بين يديه ابناءه واخوته واهل بيته وانصاره؟!!.

ان الايمان بمبادئ الفضيلة وقيم الحق والعدل والخير والدفاع عنها والتضحية لأجلها بكل غال ونفيس هو الشاهد الحق على صدق الايمان وعمقه واخلاصه وهو ما قد تجلى في ابهى صورة واروع مشهد يوم العاشر وعلى صعيد كربلاء عندما أبى سيد الشهداء ان يعطي بيده اعطاء الذليل او يقر اقرار العبيد ورفض كل ترهيب او ترغيب في ان يتنازل او يتراجع عن شيء من مبادئه او عن موقف من مواقفه وفضل المواجهة دفاعا والشهادة وساما على ان يغير موقفه او ان يبدله من الخارجين عن الحق والمارقين منه.

4/ وعليه فان روح كربلاء واحدة وجوهرها ثابت ولكنَّ تجلياتها لا تقف عند حد وعطاءها سيظل ابدا يتجدد عبر الزمن والاجيال وهكذا تتحول عاشوراء في كل عام الى معنى جديد بحسب حاجات الأمة وهمومها واختلاف الحوادث والتحديات ومن دون ذلك ستخرج الأمة من اجواء هذه المناسبة العظيمة المتجددة كما دخلت اليها من دون ان تزداد هدى او ان تضيف شيئا منها الى حياتها الراهنة.

ان عاشوراء في كل عام ينبغي ان تزيد الامة بصيرة في دينها ومعرفة بزمانها وثباتا على مبادئها ومقاومة لأعدائها وانتصارا لحقها وحقوقها وتطلعا لواقع افضل ومستقبل اكثر أمنا ورخاء.

لقد كانت عاشوراء وكربلاء للإصلاح والتغيير وما لم تفهم على هذا الاساس فإنها ستفرغ من محتواها وهو ما ينبغي ان تكون الامة والاجيال منه على حذر شديد اذ هو ما يعمل لأجله الاعداء بكل جهد ممكن ليمنعوا كربلاء الحسين ع من ان تعمل عملها في ايقاظ الأمة واستنهاضها في حاضرها ونحو مستقبلها المنشود.

5/ لن يتمكن شيء او احد ان يوقف كربلاء او ان يعرقل عاشوراء مهما كانت الامكانيات التي بين يديه وتحت تصرفه اولا: لأنها كانت لله وما لله ينمو فلا يتوقف ولا يتراجع ولا ينكسر ولا ينهزم وثانيا: لو كان شيء يمكن ان يمنعها لنجح مرتكبوها يوم حدوثها من فعل ذلك ولكنهم لم يفلحوا قط بل كانت وبقيت واستمرت. ثالثاً: كل محاولات اليوم من تهديد لمنعها اذا قيست بما جرى في التاريخ فلن تكون شيئا يذكر فما لم ينجح بالأمس على شدته لن ينجح اليوم مهما بلغ وكان. رابعا: ان الموت على خط الامام الحسين ع والدفاع عنه والتضحية من اجله أمنية كل مؤمن شريف حر وتلك عقيدة راسخة وأمنية الأماني فكيف ينفع معها تهديد جبان؟!.

ان كربلاء بدأت ولن تتوقف مهما كانت الموانع والتهديدات والتشكيكات والتثبيطات من هنا او هناك بل ان كل محاولة في هذا السبيل محكوم عليها سلفا بالفشل مهما كانت ومهما كان القائمون عليها او المروجون لها! وهل يمكن لاحد ان يطفئ نورا شاء الله له ان يكون وان يبقى خالدا.

القطيف