آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

لماذا يحاربون كربلاء الحسين (ع)؟!

الشيخ ابراهيم الميلاد *

منذ إن كانت كربلاء الحسين كان التمجيد لها والتعظيم والتقديس فوقفت كالطود الشامخ لا تزداد على مر الأيام والسنين إلا تألقا وسموا ورفعة وعظمة.. وكيف لا تكون كذلك وكل جزء من أحداثها وفصولها كان لله وفي سبيله ولأجل اعلاء كلمة الحق؟!

وكم هي الجهود التي بذلت في سبيل القضاء عليها وتشويه حقيقتها واطفاء حرارتها ونزعها من وجدان الامة والاجيال؟!

ولكنها استعصت على كل ذلك وبقيت كلحظة انفجارها المدوي صوتا للحق ونهجا للإصلاح ومدرسة للبطولة والتضحية والفداء فذهبت كل محاولات المناوئين والمخالفين والنواصب ادراج الرياح وكأن شيئا من كل ما بذلوه وقاموا به لم يكن وبقيت كربلاء في سماء الامة شمسا تضيء تبعث في نفوس الشرفاء الاحرار دفء الولاية وحرارة الايمان وعنفوان البطولة.

بحق اقول: انه لم تواجه حادثة في التاريخ ما قد واجهته كربلاء من محاولات للقضاء عليها وتشويه صورتها واخماد جذوتها ومحوها من ذاكرة الأمة والاجيال ولكنها بقيت كما بدأت لحظة انبثاقها «ان للحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبد»..!

ولكن لماذا هذا الاصرار - الذي كان ولا يزال - على محو كربلاء والقضاء على عاشوراء من قبل اعداء الدين والولاية؟!

ان الإجابة على هذا السؤال التاريخي والجوهري يجعل المؤمنين امام الحقائق الهامة التالية:

1/ لان كربلاء منذ لحظة انفجارها المدوي قد كشفت كل خطوط الانحراف عن الدين والرسالة والقران وميزت بين ما هو حق أصيل وما هو باطل دخيل «ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه» «ان هؤلاء لزموا طاعة الشيطان».

فإذا كان ذلك حقا وهو بلا ريب كذلك... فهل يا ترى سيبقى اهل الباطل حكاما وجماعات واقفين متفرجين الى ان تأتي عليهم كربلاء لتكشف للرأي العام حقيقتهم وتعريهم امام الملأ والجماهير؟!

لذا كان اثقل شيء على حكام الجور وائمة الباطل هو صوت الحسين ع وتمسك الأمة به وتعظيمها لشعائره والتفافها حول رايته وسيرها على نهجه القويم.

2/ ان في كربلاء حربا على ثقافة التبرير والتقاعس والهروب عن تحمل مسؤولية الاصلاح والتغيير. وهو ما لا يرتضيه حكام الجور واصحاب المذاهب الفاسدة كما انه لن يقبل به المتثاقلون الى الارض والمنتفعون واصحاب المصالح والمتخاذلون الذين يجدون في تحمل المسؤوليات الدينية والاجتماعية ما يتهدد افكارهم التبريرية ومصالحهم العاجلة ونفوذهم وموقعيتهم المزيفة.

كيف يمكن لكربلاء ان تقبل فكرا او موقفا تبريريا متخاذلا وهي التي كانت عاصفة اصلاح وزلزال تغيير في وجه كل باطل وقدمت لله والحق والانسانية كل شيء في سبيل نصرة المبادئ واعلاء كلمة الحق والدفاع عن المظلومين.

ان هذا النوع من الفكر والنهج والثقافة مما لا تقبل به الا النفوس الطاهرة والهمم العالية اما الظالمون والمنتفعون بهم والمتخاذلون فانهم يرون في كل ذلك حربا عليهم وشيئا يهدد حدودهم ووجودهم فكيف لا يقفون في وجهه ويحاربونه بكل ما أوتوا من امكانيات وقوة؟!.

3/ كربلاء بكل ما تشتمل عليه من دلائل ومضامين هي الرمز الجامع لكل قيم الخير والحق والفضيلة وبالتالي فإنها مدرسة في الايمان الراسخ والبصيرة النافذة والجهاد الحقيقي وما ارتبط بها قلب الا واستنار وما اتصلت بها ارادة الا وتحولت الى جبل من الصبر والتحمل.

ومن هنا كانت كربلاء مصنع الرجال وملهم الابطال ومحركة للأمم والشعوب نحو كل قيمة عالية وتطلع سامٍ.

فهل ياترى بعد ذلك كله يمكن لحكام الجور ان يقبلوا بها او ان اصحاب المذاهب المصطنعة والمنتفعين الفاسدين الجبناء ان يرضوا بذلك أو ان يكتفوا بالسخط والتفرج من دون قمع وتشكيك واثارة للشبهات وتخذيل وتثبيط؟!

لقد كانت كربلاء بما كانت عليه من مبادئ حق وقيم عدل هي الملهم الاول لكل الثورات والنهضات والحركات الاصلاحية التي اعقبت حدوثها وهبت لمقارعة الانظمة الظالمة والحكومات الجائرة هنا وهناك.

فكيف لا تكون بعد كل ذلك مستهدفة ومحاربة فيما هي عليه من اهداف وتطلعات؟!

4/ ان في الاعتصام بكربلاء كشفا لكل رموز الضلال الذين استطاعوا بدهائهم وارهابهم في لحظة من لحظات تاريخ الاسلام والأمة ان يجعلوا من انفسهم وقبائلهم ومن يشكل امتدادا لهم رموزا دينية تتلاعب بالقرآن والاسلام تفسيرا وتأويلا حتى «لُبس الاسلام لبس الفرو مقلوبا».

وهو الامر الذي لن يسمح بحدوثه ابدا كل المذاهب والانظمة والحكام الذين جعلوا من أولئك الرموز الدينية المزيفة مرجعيةً لهم ومنهجية في فهم الدين والحياة اذ ان في ذلك كشفا لباطل قد اعتقدوا به وساروا عليه جيلا من بعد جيل فكيف سيسمحون لأنفسهم بقبول ما فيه كشف لباطل اعتقدوه وفاسد قد بنوا عليه؟!

فليس امامهم الا معاداة كل ما من شأنه ان يظهر الحق ويسقط الاقنعة ويكشف المستور ويعري رجالا جعل منهم التجهيل والتضليل والتزييف رموزا للدين ومفخرة في العلم والسياسة بينما هم في واقع الحال على العكس من ذلك تماما.

لقد كانت كربلاء لتقف أمام هذا الانحراف الذي وقع ولتمنع من بقائه واستمراره ولتكشف حقيقته وتنسف أسسه الفاسدة وهو ما لا يمكن ان يتحمله كل السائرين على نهج رموز الضلال والتابعين لهم!.

القطيف