آخر تحديث: 27 / 9 / 2021م - 12:58 ص

الضعفاء أيقونات الشهادة

إبراهيم بوشفيع

 

في إطلالة بانورامية سريعة على مسار التاريخ نجد أن حروب الخير والشر أفرزت العديد من الشهداء الذين سقطوا على طريق الحرية والكرامة وكلمة الحق، إلا أن هؤلاء الذين قضوا في الحروب يحظون بذاكرة تاريخية جماعية، فلا تكاد تذكرهم إلا بشكل جماعي، خذ مثلا:

جيش إسبرطة الثلاثمائة الذين حاربوا ببسالة وبطولة بقيادك ليونايدس أمام غطرسة الجيش الفارسي.

أصحاب الإمام الحسين الذين قدر عددهم باثنين وسبعين شهيدا، الذين ألهموا الأحرار عبر التاريخ الكرامة، وصرخة الحق بوجه الظالمين.

المجموعة الصغيرة من الثوار الذين خرجوا مع تشي جيفارا، والذين قتلوا في وادي جودو ببوليفيا على يد الحيش والاستخبارات المركزية الأمريكية.

والعديد من الأمثلة التي تزدحم في ذاكرة التاريخ.

إلا أن هناك نوعٌ آخر من الرمزية اختطفت الأضواء فجذبت تعاطف الرأي العام، وفضحت وحشية الجناة.

هذه الأيقونات عادة ما تكون من الأطفال أو النساء الذين لا يملكون حولا ولا قوة في العادة، فيزج بهم في صراعات تكشف الوجه الآخر للجناة.

وعلى سبيل المثال، نذكر النماذج التالية:

علي الأصغر بن الإمام الحسين ، المعروف بعبدالله الرضيع، الذي ذبح بسهم غادر في كربلاء، عطشانا في حجر والده، فتحول هذا الطفل الصغير إلى المسمار الأخير الذي دق في نعش الجيش الأموي الغادر، وفضح وحشيته التي كان منشؤها التشفي لا القتال النبيل.

الثائرة الفرنسية جان دارك، الملقبة بعذراء أورليان، وتُعدّ بطلة قومية فرنسية، والتي قادت الجيش الفرنسي إلى عدة انتصارات مهمّة خلال حرب المائة عام، ممهدةً بذلك الطريق لتتويج شارل السابع ملكاً على البلاد. قُبض عليها بعد ذلك وأُرسلت إلى الإنجليز مقابل المال، وحوكمت بتهمة ”العصيان والزندقة“، ثم أُعدمت حرقاً بتهمة الهرطقة عندما كانت تبلغ 19 عاماً، وما زالت تلهم الثوار رغم حداثة سنها.

وفي طي سريع لشريط التاريخ، نأتي للزمان الحاضر، وبالتحديد في شرق الجزيرة العربية، حيث نلاحظ بروز تلك الأيقونات الملهمة والساطعة أمام غطرسة ووحشية داعش.

في الدالوة برز اسم الطفل محمد البصراوي، الفتى الوادع، كرمز وأيقونة لتلك الفاجعة.

وفي القديح قفز إلى الأسماع اسم الشهيد الصغير حيدر العقيلي، الذي تقطر ملامحه براءة ونقاء.

وفي العملية الجبانة الأخيرة التي تبنتها داعش في سيهات، تلألأ اسم الشابة بثينة العباد، لتنضم لسلسلة الأيقونات الخالدة في ذاكرة التاريخ الشيعي المحلي والعالمي.

هذا الأمر لا يعني إلغاء أو تجاهلا لباقي الشهداء السعداء، ولكن هذه النفوس البريئة خُلدت لأنها فضحت هذا التنظيم المشؤوم، فقد تجد الأعذار الواهية الكثيرة لقتل العسكريين، أو المدنيين من الرجال، ولكن قتل هذه النفوس الصغيرة الضعيفة يقطع الطريق على من يحاول استحلاب بقرة الأعذار التي نفقت منذ أول طلقة غدر أطلقت في صدر الطفولة.

النساء والأطفال ضعفاء، ولكن هذا الضعف هو مصدر قوتهم.

To:

الضعفاء أيقونات الشهادة

إبراهيم بوشفيع

في إطلالة بانورامية سريعة على مسار التاريخ نجد أن حروب الخير والشر أفرزت العديد من الشهداء الذين سقطوا على طريق الحرية والكرامة وكلمة الحق، إلا أن هؤلاء الذين قضوا في الحروب يحظون بذاكرة تاريخية جماعية، فلا تكاد تذكرهم إلا بشكل جماعي، خذ مثلا:

جيش إسبرطة الثلاثمائة الذين حاربوا ببسالة وبطولة بقيادك ليونايدس أمام غطرسة الجيش الفارسي.

أصحاب الإمام الحسين الذين قدر عددهم باثنين وسبعين شهيدا، الذين ألهموا الأحرار عبر التاريخ الكرامة، وصرخة الحق بوجه الظالمين.

المجموعة الصغيرة من الثوار الذين خرجوا مع تشي جيفارا، والذين قتلوا في وادي جودو ببوليفيا على يد الحيش والاستخبارات المركزية الأمريكية.

والعديد من الأمثلة التي تزدحم في ذاكرة التاريخ.

إلا أن هناك نوعٌ آخر من الرمزية اختطفت الأضواء فجذبت تعاطف الرأي العام، وفضحت وحشية الجناة.

هذه الأيقونات عادة ما تكون من الأطفال أو النساء الذين لا يملكون حولا ولا قوة في العادة، فيزج بهم في صراعات تكشف الوجه الآخر للجناة.

وعلى سبيل المثال، نذكر النماذج التالية:

علي الأصغر بن الإمام الحسين ، المعروف بعبدالله الرضيع، الذي ذبح بسهم غادر في كربلاء، عطشانا في حجر والده، فتحول هذا الطفل الصغير إلى المسمار الأخير الذي دق في نعش الجيش الأموي الغادر، وفضح وحشيته التي كان منشؤها التشفي لا القتال النبيل.

الثائرة الفرنسية جان دارك، الملقبة بعذراء أورليان، وتُعدّ بطلة قومية فرنسية، والتي قادت الجيش الفرنسي إلى عدة انتصارات مهمّة خلال حرب المائة عام، ممهدةً بذلك الطريق لتتويج شارل السابع ملكاً على البلاد. قُبض عليها بعد ذلك وأُرسلت إلى الإنجليز مقابل المال، وحوكمت بتهمة ”العصيان والزندقة“، ثم أُعدمت حرقاً بتهمة الهرطقة عندما كانت تبلغ 19 عاماً، وما زالت تلهم الثوار رغم حداثة سنها.

وفي طي سريع لشريط التاريخ، نأتي للزمان الحاضر، وبالتحديد في شرق الجزيرة العربية، حيث نلاحظ بروز تلك الأيقونات الملهمة والساطعة أمام غطرسة ووحشية داعش.

في الدالوة برز اسم الطفل محمد البصراوي، الفتى الوادع، كرمز وأيقونة لتلك الفاجعة.

وفي القديح قفز إلى الأسماع اسم الشهيد الصغير حيدر العقيلي، الذي تقطر ملامحه براءة ونقاء.

وفي العملية الجبانة الأخيرة التي تبنتها داعش في سيهات، تلألأ اسم الشابة بثينة العباد، لتنضم لسلسلة الأيقونات الخالدة في ذاكرة التاريخ الشيعي المحلي والعالمي.

هذا الأمر لا يعني إلغاء أو تجاهلا لباقي الشهداء السعداء، ولكن هذه النفوس البريئة خُلدت لأنها فضحت هذا التنظيم المشؤوم، فقد تجد الأعذار الواهية الكثيرة لقتل العسكريين، أو المدنيين من الرجال، ولكن قتل هذه النفوس الصغيرة الضعيفة يقطع الطريق على من يحاول استحلاب بقرة الأعذار التي نفقت منذ أول طلقة غدر أطلقت في صدر الطفولة.

النساء والأطفال ضعفاء، ولكن هذا الضعف هو مصدر قوتهم.