آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

كربلاء.. خيار لا ثاني له!

الشيخ ابراهيم الميلاد *

ثمة من يتسآئل بالحاح قائلا ألم يكن للامام الحسين ع خيار اخر غير رفضه البيعة ليزيد وبالتالي التصعيد والمواجهة التي انتهت في كربلاء بشهادته وشهادة الخيرة الطيبة من اهل بيته واصحابه؟ ومن ثم سبي النساء والاطفال والدوران بهن من بلد الى بلد؟!.

ألم يكن ثمة خيار آخر كان يمكن ان تُحقن به الدماء الطاهرة والنفوس الزكية من ان تنال منها سيوف البغي والضلال؟!

ليس من شك انه اول سؤال يمكن ان يتبادر الى ذهن كل من يطلع على ما قد جرى من احداث مؤلمة ومفجعة في كربلاء يوم العاشر من المحرم من سنة ستين للهجرة.. فكيف يا ترى يمكن الاجابة على هذا السؤال الهام والمحوري بما يتناسب وما عليه الامام الحسين ع من مقام الامامة الالهية من جهة وما يتوافق والمعطيات التاريخية التي رسمت معالم الظروف الموضوعية لنهضته المقدسة من جهة ثانية؟.

إذن لنرى ما هي تلك الخيارات التي كان من الممكن للامام ع ان يتبعها فيما لو اراد غير خيار الرفض المطلق للبيعة وما ترتب عليه من نتائج قد انتهت بشهادته ومن معه من الرجال الاخيار. ثم نسلط الضوء على الخيار الفعلي الذي اعتمده الامام ع وسار عليه وبه كانت كربلاء..

• الخيارات الممكنة ونتائجها المحتملة:

الخيار الأول: التسليم بالأمر الواقع واعطاء البيعة ليزيد ليكون خليفة على المسلمين وحاكما عليهم على ما هو عليه من «فسق وفجور» ونزق وخفة واستهتار وميوعة وفقدانه لأدنى مؤهلات الحكم والادارة بشهادة كل المؤرخين المنصفين الذين مروا بسيرته وترجموا له.

• مناقشة هذا الخيار:

ماذا لو كان ذلك وبايعه الامام الحسين ع مختارا او مضطرا او مكرها؟!

هذا يعني بكلمة جامعة: اعطاء الشرعية لمن لا يستحقها واقرار بواقع فاسد والقبول بمن يستحق الرفض.

• الخيار الثاني: السكوت واعتزال الحياة السياسية والابتعاد عن الشأن العام والاحتفاظ بالرأي «الرفض» وعدم الاعلان عنه والمجاهرة به والاشتغال بما فيه مصلحة الاسلام والمسلمين كبيان معالم الدين وحدوده.

• مناقشة هذا الخيار:

يرد عليه كل ما ورد على الخيار الأول ويزاد عليه: ان هذا لا يصدر عن مسلم غيور فضلا عن امام معصوم كالحسين بن علي ع المأمور بالاصلاح والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهل وتنبيه الغافل وبيان الحق ومقارعة الباطل.. ثم حتى لو كان ذلك منه جدلا فان الامويين لن يقبلوا منه ذلك وسيفسرون موقفه بالضعف لانهم لن يقبلوا منه الا البيعة والا يُقتل ولو كان متعلقا باستار الكعبة.

• الخيار الثالث: الهروب من الساحة ومغادرة البلاد الى ارض الله الواسعة واعداد العدة من هناك ومن ثم العودة والدخول في مواجهة عسكرية حاسمة مع الحكومة الاموية لاسقاطها وازاحتها عن مركز القرار.

• مناقشة الخيار الثالث:

لقد كان ثمة من اقترح هذا الخيار على الامام الحسين ع عند خروجه من مكة ولم يناقشه الامام ع في ذلك واكتفى بالنظر في ذلك كجواب اشبه بالاسكاتي ربما لضيق الوقت او لعدم امكانية تفهمه لما سيقوله الامام او لاي سبب آخر.. واجمالا فان ذلك الخيار غير ممكن لا من الناحية العملية ولا تساعد عليه الجغرافية ولو كان فانه لن يحقق الغاية التي كان الامام كان يتطلع اليها من عموم نهضته الإلهية ككشف الانحراف والتضليل والتجهيل وايقاظ العقول واستنهاض الهمم واحداث هزة عميقة في وجدان الامة تبقى الى أبد الدهر.

• الخيار الرابع: وهو ما عزم عليه الأمام حيث رأى فيه تكليفه الشرعي الذي ينبغي ان يقوم به على أكمل وجه مهما كان الثمن ومهما كانت التضحيات والخسائر في الأرواح والأنفس.. ألا وهو رفض البيعة ليزيد رفضا مطلقا لا مجال فيه للمساومة او التراجع وذلك لجملة الحيثيات التالية:

أ - ان يزيد لا يملك شيئا من مؤهلات الحكومة والادارة فضلا عن مؤهلات الخلافة او الامساك بدفةِ حكومةٍ تكون على رأس المسلمين وباسم الاسلام.

ب - ان البيعة له قد أُخذت في زمن ابيه معاوية بالترهيب والترغيب يعني أُنتزعت من المسلمين انتزاعا وبالاكراه ومن دون رضاهم.

ج - ان في ذلك خروجا على احد بنود الصلح «الهدنة» الذي جرى بين الامام الحسن ع ومعاوية من «ان الخلافة بعد هلاك معاوية للحسن ع فان لم يكن فلاخيه الحسين ع.»

د - ان اعطاء البيعة له مصادرة لكل تلك الحقائق الثابتة من جهة ومبايعةُ من تحرم مبايعته ولا يجوز بحال إعطاؤه شرعيةً ليس هو لها بأهل من جهة اخرى. بل ان كل شيء في حياة الاسلام والمسلمين سينتهي لا محالة الى الاندراس والضياع وهو ما قد صرح به الامام الحسين ع في محاورته مع مروان بن الحكم في رده عليه: «على الاسلام السلام اذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد..». ولك ان تتدبر جملة: «على الاسلام السلام» لتنكشف لك الاخطار فيما لو اعطيت الشرعية لان يحكم يزيد المسلمين ويلي امورهم!.

لذا منذ بداية الأمر اعلن الامام رفضه للبيعة وخرج من المدينة مع عياله وتوجه الى مكة وبقي فيها ما يقارب او يزيد على ثلاثة اشهر اشتغل خلالها ببيان كل الحقائق التي من شأنها ان تمنع المسلمين من الانقياد لحكومة يزيد والقبول ببني أمية.

وهنا ينبغي لاجلاء صورة الموقف الحسيني الرافض بشكل مطلق ليزيد والبيعة له والخضوع لبني أمية - من التأكيد على حقائق تاريخية ثابتة بشكل قطعي:

1/ ان رفض الامام ع للبيعة ليزيد لم يكن وليد اللحظة الراهنة يعني من بعد هلاك معاوية وانما كان امرا قد كان معروفا مشهورا منذ زمن معاوية وهو ما يفسر لك اصرار يزيد والامويين على أخذ البيعة منه باسرع ما يكون وبأي ثمن كان.

2/ كان الرفض هو الخيار الأول والأخير ولذا لم نجد الامام ع قد تردد في ذلك بل جعله امرا محسوما ولا مجال فيه للمساومة ومضى على موقفه هذا الى أخر رمق من حياته الشريفة وقدم من اجل الثبات عليه كل غال ونفيس يوم العاشر وعلى ارض كربلاء.

3/ ان الامام لم يكن قد قرر ان لا تكن منه بيعة ليزيد فحسب بل ايضا قد خطط لكل شيء وحسب له حسابه ليجعل من هذا الموقف جزاء من معركة حاسمة خالدة يؤدي من خلالها تكليفه الشرعي من جهة وتحقق كل ما كان يتطلع اليه من اهداف وغايات في عمقي الزمان والمكان من كشفٍ لحقيقة الانحراف الذي مُنيت به الأمة وضرورة ان تكون الاجيال متمسكة بحبل اهل البيت ع عبر حبل كربلاء الدم والشهادة.

4/ ومن تجليات ذلك التخطيط الذي نسف كل مؤمرات وخطط الامويين في القضاء على الامام الحسين ع ومحو ذكره وبالتالي امكانية تلاعبهم بالدين والرسالة هو نجاح الأمام ع بكل جدارة في ان يختار زمان ومكان وكيفية المواجهة في حال اراد الامويون فرضها عليه تماما كما جرت الامور بعد ذلك على صعيد كربلاء فلقد كان كل شيء جرى كما اراد له الامام ع لا كما احبه الأمويون فقط.

5/ وليكن واضحا لكل طالب حقيقة بان موقف الامام ع الرافض للبيعة ومن الخط الأموي المنافق لم يكن له علاقة لا من قريب ولا بعيد بموقف اهل الكوفة ومراسلتهم للامام وطلبهم من «ان يقدم عليهم» اذ ان موقف الامام ع الرافض ليزيد لم يكن امرا حادثا وانما كما بينا كان معروفا مشهورا منذ زمن معاوية وان خبر رفضه البيعة ليزيد في المدينة سبق موقف الكوفيين الرافض «وان كانت لهم مراسلات مع الامام بهذا الخصوص زمن معاوية» واما الكتب التي وصلت اليه بعد ذلك فلم تكن الا بعد خروجه من المدينة ووصوله الى مكة فموقفه كان هو المتقدم لا المتأخر ليقال بأنه تحرك في هذا الاتجاه بعد موقف الكوفيين ومراسلتهم له.

6/ لقد استطاع الامام بموقفه الرافض واصراره عليه وتخطيطه الدقيق لعموم نهضته الشريفة وبالتالي شهادته الدامية المفجعة ان يكشف كل خطوط الانحراف التي حدثت بعد انتقال النبي الاعظم ﷺ الى الرفيق الأعلى وان يسقط كل خط او مشروع مشابه للخط الأموي يمكن ان يعمل على تحريف الدين او التلاعب بالرسالة الالهية الخالدة.

هذا! وستبقى حركة الامام الحسين وشهادته في كربلاء وما انتهت اليه من نتائج وافرزته من معطيات أكبر من ان يحيط بها عقل جيل او ان يفسرها زمن واحد وذلك بعض معاني كونها ملحمة إلهية خالدة.

القطيف