آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

لهذا كانت كربلاء!

الشيخ ابراهيم الميلاد *

لم تتجاوز واقعة كربلاء اكثر من سويعات قليلة من نهارِ يومٍ كان شديد الحرارة حتى أسفرتْ عن:

- مقتل الامام الحسين ع وجميع من كان معه من الرجال من اهل بيته واصحابه ما عدا ابنه علي بن الحسين ع السجاد الذي تُرك ولم يقتل لما به من شدة المرض.

- وسبي النساء والاطفال بعدما اخذوهم اسارى ورحلوهم الى الكوفة ومنها الى الشام بعد ان طافوا بهم او مروا بهم اثناء ذلك على الكثير من القرى والمدن في ظروف شديدة واحوال قاسية.

ولكن هذه المعركة التي تُعد من الناحية الزمنية معركة قصيرة وعدد القتلى فيها من الجانبين ليس بالعدد الكثير اذا ما قيست بغيرها - قد تحولت منذ لحظة حدوثها الى ملحمة إلهية خالدة بما:

- قد اصطبغت به من بطولة ومأساة.

- وبما اشتملت عليه من قيم ومثل ومبادئ.

- وبما كان عليه قائدها ورجاله من طهر واخلاص وقداسة ونبل وشجاعة ووفاء وتضحية.

- وبما استطاعت من ان تحققه على طول الخط من اهداف دينية سامية وتطلعات انسانية رفيعة.

فهذه العوامل مجتمعة وربما غيرها معها مما يتوقف عليها او يتشعب منها هي التي اعطت من واقعة كربلاء المحدودة من حيث الحجم والعدد والوقت ما جعل منها ملحمة إلهية بطولية خالدة لا تقف ولا تتلكأ عبر الزمن والاجيال من ان تحافظ على وهجها وتوقدها وحرارتها في ضمير اهل الولاية وفي كل وجدانٍ شريف حر.

والسؤال العريض الذي طُرح كثيرا ومازال يطرح هو ما الذي كان يهدف إليه الإمام الحسين ع من وراء نهضته تلك التي ابتدأت برفض البيعة ليزيد وانتهت بشهادته في كربلاء؟

وبصيغة اخرى أصح وأدق: ما الذي استطاع الامام الحسين ع ان يحققه بما قد حدث وجرى في عاشوراء من سنة 60 هـ وعلى ارض كربلاء؟

ان الاجابة المباشرة على هذا السؤال من دون ان توضع في سياقها التاريخي لن تكون واضحة ولن تكون مقنعة للكثير لذا لزم ان يسبقها ذكر مقدمات يُقدَّر لها ان تكون اطارا للسياق التاريخي الذي ينبغي ان تأتي الاجابة ضمنه كنتيجة منطقية متسلسلة ومترابطة.

• حقائق تاريخية لابد منه الالتفات إليها أولا:

1/ ان رفض البيعة ليزيد لم يكن الا حلقة من حلقات المواجهة بين الحق المتمثل في الرسالة والامامة من جهة بني هاشم والباطل المتمثل في بني أمية من جهة اخرى فكما كان ابو سفيان رأس الكفر ضدا لرسول الله ص ومحاربا له كان معاوية ضدا لعلي وللحسن ع ومحاربا لهما وكذا كان يزيد عدوا للحسين ع وهو الذي أمر بأخذ البيعة منه وبقتله متى ما امتنع.. فالقول بأن بداية نهضة الامام الحسين ع هي رفضه لبيعة يزيد ينبغي ان لا يفهم الا ضمن اطار هذا السياق التاريخي ليفهم الموقف الحسيني على وجهه الصحيح في المنطلقات والتطلعات وانه ليس رفضا ليزيد فقط كشخص بل هو مواجهة لخط اموي لو قدر له ان يستمر بحكومة يزيد ومَنْ يأتي مِنْ بعده منهم لكان على الاسلام السلام وهذا ما كان الامام يعمل على مواجهته وكشفه وتحطيمه بشكل كامل وقد كان له ذلك في نهاية المطاف.

2/ لما هلك معاوية وجاء من بعده يزيد «وقد أُخذت له البيعة بالخلافة من قِبل أبيه بقوة السيف واغراء الدينار والدرهم» وطلب من واليه على المدينة ان يأخذ البيعة من الامام الحسين ع بكل حزم وان لم يبايع فليضرب عنقه فورا رفض الامام ع في قصة مفصلة ان يبايع واعلن امام الوالي ومروان بن الحكم:

- «ان يزيد رجل فاسق شارب خمر قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق مثلي لا يبايع لمثله».

وهذا اول المواقف التي اتخذها الامام ع في اول عهد يزيد وهذا ليس شيئا جديدا على الحسين ع اذ ان موقفه من يزيد ورفضه له لعدم لياقته ولفقدانه لأدنى المؤهلات والمواصفات كان معروفا مشهورا على زمن معاوية وهو امر معلوم لكل الامويين.

فالإمام الحسين ع هنا برفضه للبيعة انما استعمل حقا من حقوقه المشروعة في القبول وعدمه فضلا عن انه صاحب الحق الاصيل في ذلك وان تكليفه الشرعي يقتضي منه عدم البيعة لمن ليست له بحق ولا يستحقها.

3/ فالإمام رأى بأن تلك هي مسؤوليته ووظيفته الشرعية وانه ينبغي ان يعمل بكل الوسائل المشروعة والسلمية من اجل كشف الامر للأمة لتتحمل مسؤولياتها في الاصلاح والتغيير بالوقوف امام هذا الانحراف وبالتالي احباط المشروع الاموي من ان يحقق اهدافه في الاستحواذ بالسلطة والتلاعب بالدين ومقدرات المسلمين وهو الأمر الذي لن يتحمله الامويون وان ادى بهم الى تصفية الامام الحسين ع جسديا باغتياله او مقاتلته وقتله وهو فعلا ما قد قُرر من قبلهم وأمر به يزيد شخصيا بان تأخذ البيعة من الامام الحسين ع فان ابى قُتل اينما كان ولو كان متعلقا بأستار الكعبة.

4/ لما انتشر خبر رفض الامام ع البيعة ليزيد قرر الامويون ابتداء ان تكون تصفية الامام ع بقتله غيلة في مكة او خارجها بطريقة يصعب فيها معرفة من الذي قتله فجندوا لذلك من يقوم بهذه المهمة فلما علم الامام ع بالأمر افشل خطتهم بأن لم يحرم للحج واكتفى بعمرته المفردة التي دخل بها مكة وسارع في الخروج من مكة يوم التروية «الثامن من ذي الحجة» وهكذا افشل خطة الامويين من ان يغتالوه بطريقة تنتهك بها حرمة البيت الحرام ويذهب دمه فيها هدرا ولا يكون له أي وقع أو تأثير او ذكر بعد ذلك أبدا.

5/ فالأمويون هم الذين بدأوا أولا بإعلان الحرب على الامام وعملوا على قتله فما كان منه الا النجاة بنفسه وأهله ومن معه بالخروج من مكة والتوجه الى العراق بعد ان استفرغ جهده في التثبت من رغبة اهل الكوفة في ان يقدم عليهم بعد ان اعطوا البيعة له عن طريق سفيره اليهم مسلم بن عقيل وهنا بحسب ظواهر الامور لا يمكن للإمام الا الاستجابة وكأن الحجة قد قامت عليه بان يستجيب لدعوتهم اليه وطلبهم منه ان يَقدم عليهم «فانا جندٌ لك مجندة» فكان منه ذلك وجعل وجهته بعد خروجه من مكة الى الكوفة لكن ما اسرع ان بلغته الأنباء بما قد حدث فيها من امر مقتل مسلم وتفرق الناس عنه وسيطرة الامويين عليها بشكل كامل عن طريق والي البصرة عبيد الله بن زياد ابن ابيه.

5/ وصل الامام ع الى كربلاء يوم الثاني من المحرم بعد ان التقى بجيش الحر الموكل من قبل عبيد الله بن زياد بان يتتبع اثر الامام الحسين ع وان يوقفه حيث وجده وان يمنعه من التحرك باي اتجاه يرجعه الى المدينة او ينتهي به الى الكوفة وهذا ما كان بعد ان رفض الامام ابتداء الانصياع الى امره بذلك الى ان وصلوا الى ارض كربلاء فرآها الامام ع المكانَ الانسب لاي مواجهة عسكرية متوقعة بينه وبين الأمويين فيما اذا ارادوا ان يفرضوها عليه فامر الامام ع بنصب الخيام وترتيب كل الامور على هذا الاساس الى ان احكم الامويون عن طريق واليهم على الكوفة «ابن زياد» ومساعديه «الشمر وعمر بن سعد» الطوق على الامام ع بشكل كامل ومنعوه من ان يتحرك باي اتجاه كان وخيروه بين البيعة والنزول على يزيد او القتال.

6/ وجد الامام الحسين نفسه بين خيارين لا ثالث لهما وهما أما البيعة وأما المواجهة العسكرية فاختار لنفسه المواجهة وهو العالم بما ستصير اليه الامور فيما لو كان ذلك وحدث لما هو واضح من عدم وجود تكافئ بين المعسكرين لا في العدد ولا في العدة مع حرصه الشديد ان لا يكون هو اول من يبدأ القوم بالقتال وكان ينهى اصحابه عن ذلك ويقول لهم: «أكره ان ابدأهم بقتال». وهذا يعني ان الامويين هم الذين قد فرضوا عليه خيار المواجهة والحرب والقتال وانه ع لم يكن بعد ذلك الا في موقع المدافع عن نفسه واهل بيته واصحابه ليس الا!. «الا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة».

7/ فلما رأى الامام ع اصرارهم على مقاتلته بعد ان خطب فيهم مرارا وبين لهم كل ما يقيم عليهم الحجة من عدم جواز مقاتلته واباحة دمه وانه اولى بأمر الخلافة والقيادة والاتباع من كل أحد في هذه الأمة - يأس منهم ووطن نفسه واهل بيته واصحابه على ان يمارسوا حقهم في الدفاع عن أنفسهم مهما كان الثمن وبلغت التضحيات.

8/ فكان ترتيبُ الامام جميعَ اموره بعد ذلك على هذا الاساس فنظم الخيام بطريقة خاصة تتناسب ووضع الحرب ونظم اصحابه واهل بيته للحرب وقسم المهام ووزع المسؤوليات ووضع خطة متكاملة لذلك كله لم تغفل حتى عن اقل التفاصيل فيما يتعلق بقبل الحرب وأثنائها وفيما ينبغي ان يكون بعدها بما في ذلك إعداده لأهل بيته من النساء والاطفال ووصاياه لهم وتأكيده إليهم بان الله حافظهم فعليهم بالصبر والثبات وان لا يصدر منهم من قول او فعل يمكن ان يقلل من شأنهم في اي مكان كانوا او في أي ظرف يمرون به وان عاقبتهم الى خير.

9/ ومن جملة ما قد خطط اليه الامام الحسين ع ونجح فيه نجاحا كاملا انه اراد لهذه المواجهة ان لا تكون خاطفة كما يريد لها العدو ان تكون «انما هم أكلة آكل»! وانما ان يمدد زمنها قدر الامكان وان تكثر احداثها وتفاصيلها فان ذلك اوقع في النفس وأدوم تأثيرا واحفظ للواقعة من الضياع والنسيان كما ان في ذلك تعميقا لصفتي البطولة والمأساة التي اصطبغت بهما الواقعة منذ بدايتها الى أخرها.

10/ فكانت المواجهة تجري بين المعسكرين بالطريقة التي كان الامام ع هو الذي يرسم شكلها ومجريات الاحداث فيها بعبقريته وحكمته وحنكته إلى ان قُتِلَ جميع اصحابه ومن بعدهم اهل بيته وكان اخرهم اخوه ابو الفضل العباس فخرج اليهم بعد مقتل أخيه وهو مصلتا سيفه آيسا من الحياة قد قال فيه احدهم واصفا لحالته التي كان عليها حينئذ: «لم ار مكثورا - من كثر في صفوفه القتل - قط اربط جأشا ولا اثبت جنانا منه» فقاتل بكل نبل وشرف وشجاعة بما اذهل الالباب واطار العقول حتى اشتد به العطش وكثرت فيه الجراحات واعياه نزف الدم واصابه سهم في قلبه فهوى الى الارض جريحا يجود بنفسه والاعداء مع هذا يهابونه ويبتعدون عنه الى ان تكاثروا عليه واثخنوه بالجراح فنزل إليه اللعين شمر وحز رأسه الشريف ورفعه على رمح طويل!.

ولم يكتفوا بذلك حتى داسوا جسده الشريف بخيول الاعوجية بعد ان سلبوه ثم هجموا على مخيمه فاحرقوها وسلبوا ما فيها وجرى على النساء والاطفال من جراء ذلك من الخوف والرعب ما قد جرى حتى سحقت الخيلُ بحوافرها اطفالا صغارا بعد فرارهم من الخيام.

الاستنتاج:

من هذا كله يفهم بأن ما قد قام به الامام الحسين انما كان عملا رساليا وتكليفا الهيا في ان يواجه باطل المشروع الاموي وان يكشفه للامة وان ينبه على خطره المحدق وما قد ينتهي اليه من مآسي على الدين والأمة والاجيال في حال تمكنوا من الحكم والاستمرار فيه فعمل اولا بإعلان رفضه للبيعة لتقتدي الأمة به فلما لم يجد من قد انتفع بذلك واقتدى صدع بالكلمة وارسل الرسل وبعث الكتب منبها ومحذرا ومحرضا على تحمل المسؤولية الشرعية في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فلما لم يجد ذلك مجديا ومؤثرا بالمستوى المطلوب وان الاستجابة له دون الذي يمكن ان يُحدث اصلاحا للواقع وتغييرا تأكد له بما لا مجال معه للشك ما هو عليه الأمة كلها من موت الضمير وتبلد المشاعر والاحاسيس بما يمنعها من استشعار الخطر الاموي الداهم والمحدق من جهة وما يحول بينها من ان تتحمل مسؤوليتها الشرعية كاملة ازاء كل ذلك من جهة أخرى فما كان منه الا ان قام هو بنفسه وفي حدود كل ما بيده من امكانيات بمهمة الاصلاح والتغيير وذلك بثباته على موقفه الرافض بشكل مطلق للأمويين مهما كانت المواجهة شديدة والتضحيات كثيرة ومؤلمة فرأى بانه لا خلاص للأمة مما هي فيه ولا سبيل لبعث روح الاصلاح والتغيير في ارادتها وضميرها الا بأحداث هزة قوية وعميقة فيها وهو ما لا يمكن ان يكون ويتحقق الا بشهادته الدامية على ارض كربلاء لما لأهل البيت من مكانة عظيمة مركوزة في وجدان الامة وانها متى ما تحركت اعادت للامة ثقتها بذاتها ودينها وكانت أكثر اندفاعا نحو مسؤولياتها في الاصلاح والتغيير وهذا ما قد حصل بالفعل بعد شهادته الدامية في كربلاء مع الخيرة الطاهرة من اهل بيته واصحابه.

فلقد احدثت شهادته الدامية هزة عميقة في وجدان الأمة وضميرها مما جعلها تستفيق وتدرك كل الانحرافات التي ألمت بالأمة وان ترى الخطر الاموي على حقيقته والى أين يمكن ان ينتهي بالدين والأمة في حال تمكنه وبقائه واستمراره فبدأت تستعيد الأمة وعيها وثقتها بنفسها ودينها وادركت ان ليس ثمة سفينة يمكن ان تنجيها من أمواج الفتن والضلال في أي مرحلة من مراحل مسيرتها وحياتها الا سفينة اهل البيت وهو ما اراد له الامام الحسين ان يكون ويتحقق من كربلاء الدامية وقد كان كل ذلك وستبقى كربلاء في كل عام وفي يوم عاشوراء من شهر محرم الحرام تذكر بكل ذلك وتؤكده الى ان يرث الله الارض ومن عليها!.

القطيف