آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

كربلاء.. مشيئة إلهية!

الشيخ ابراهيم الميلاد *

مما لا ريب فيه ان كربلاء كانتْ مشيئة إلهية فيما كانت عليه في منطلقاتها واهدافها وما التزمته من وسائل واعتمدته من آليات وهو ما قد اجمله الامام الحسين ع في جوابه على من سأله عن علة خروجه حيث قال ع: «شاء الله ان يراني قتيلا» وكذا في جوابه عن الحكمة من حمله للنساء معه حيث قال: «شاء الله ان يراهن سبايا» فكيف يمكن ان تفهم تلك المشيئة وعلى أي وجه؟

والجواب: ان تلك المشيئة المذكورة في جوابه يمكن ان تحتمل تفسيرينِ عامينِ لا ثالثَ لهما على ان الثاني منهما دونَ الأول هو الصحيح:

الأول: ان تفسر المشيئة هنا تفسيرا قدريا جبريا تكوينيا وليس من شك في بطلانه بحكم الوجدان لما في هذا التفسير من لوازم فاسدة ومؤديات باطلة كالقول بالجبر وسلب الاختيار وبالتالي مصادرة الارادة والقول بالحتميات وانتفاء موضوع الثواب والعقاب.

فهل يعقل بأن ما قد جرى في كربلاء من احداث دامية يوم العاشر من المحرم من سنة 61 هـ والتي قد انتهتْ بمقتل الامام ع واهل بيته واصحابه... كله كان رغما عن طرفي الصراع وانه جرى من دون ارادة منهم ولا اختيار؟!

ثم ان هذا المعنى الذي لا وجود له في حياة احد من البشر في أي موقع من مواقع الحياة لاستحالته عقلا وشرعا كيف تمكن من ان يجد له طريقا الى واقعة كربلاء حتى خرجتْ كلُّ احداثها عن ارادة كلٍّ من طرفيها المتخاصمينِ في امر الحق والباطل فاصبحوا مجبورينَ مقهوريَن من حيث لا يدرون هم؟!

ان تفسير المشيئة الواردة في كلام الامام ع بهذا المعنى القدري الجبري واضح الفساد والبطلان.

وفي الحقيقة ان هذا التفسير يتفق وما كان عليه الأمويون من عقيدة الجبر التي كانوا يروجون إليها بكل ما لديهم من امكانيات ليبرروا لانفسهم ما يرتكبونه من جرائم وما يحدثونه من مفاسد ولكي يسدوا على الأمة والجماهير أبواب الاحتجاج عليهم واتهامهم بالانحراف والفساد.

وقد حاولوا تطبيق تلك العقيدة الباطلة والمذهب الفاسد بعد ارتكابهم لجرائمهم في كربلاء حيث نسبوا مقتلَ الامام ع الى الله وانه تعالى هو الذي قتله وهو ما قد تصدى له أئمة أهل البيت كلٌّ في زمانه وعمل جاهدا على ابطاله والكشف عن فساده مع بيانهم للقول الفصل في مسألة الاختيار والجبر بقولهم: «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين».

اذا هذا التفسير للمشيئة واضح البطلان لما قد اشتمل عليه من لوازم باطلة عقلا ونقلا.

الثاني: ان المشيئة في كلام الامام ع انما أراد بها التشريعية لا التكوينية بمعنى ان الله تعالى طلب منه تكليفا حكما شرعيا في ان يتصدى لامر الاصلاح في الأمة وان يقفَ امام مشروع الامويين في ابطال الدين والهيمنة على امور المسلمين وان يتحمل كل الصعوبات وان يواجه كل التحديات حتى وان انتهى به تحملُهُ لكل ذلك الى ان يُقتل وينال وسام الشهادة وان تسبى حرمه ونساؤه من بلد الى بلد.

واذا كان الحمل على المعنى التكويني لكلمة المشيئة في كلام الامام ع يستلزم القول بالجبر فان الحمل على المعنى التشريعي بالتقرير الذي بيناه «الالتزام بالتكليف الشرعي» خالٍ من كل ملاحظة او اشكال عقلا ونقلا.

ولن يصعبَ على المتتبع لكلمات الامام ع وتصريحاته بالاضافة الى حكم الوجدان بصحة ذلك ان يجد بين كلماته ما هو شاهد على صحة هذا الحمل وصوابية هذا التفسير وذلك من قبيل قوله: «انما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي اريد ان آمر بالمعروف وانهى عن المنكر» وكذا «من لحق بي استشهد ومن لم يلحق بي لم يبلغ الفتح». وغيرها الدالة على صحة هذا التفسير وانه هو المراد من كلامه ع حيث نسب الخروجَ والنهوض بأعباء الاصلاح الى نفسه وهو لا يكون بلا اختيار وقدرة على الفعل والترك كما في النص الأول بينما اكد النص الثاني على ان الالتحاق به وعدم الالتحاق انما هو امر اختياري بيد صاحبه ان شاء فعل وان شاء لم يفعل كذلك.

هذا، والنصان اللذان قد ذكرتْ فيهما كلمة المشيئة «شاء الله ان يراني... وشاء الله ان يراهن..» يمكن للمتأمل فيهما ان يتنبه للحقائق التالية:

الأولى: ان تكليف الامام ع هو ان يُقتل في كربلاء لما في ذلك من مصالح واقعية ثابتة في علم الله عز وجل وقد اخبر تعالى به رسولَهُ ص ووَصَلَ الى الامامِ ع عن طريق إخبارِهِ ص وهو ما يتفق وما كتبه الامام الحسين ع الى عبد الله بن جعفر - زوج السيدة زينب ع - مذكرا بهذه الحقيقة وموضحا لها - والوارد في ﴿كتاب مناقب آل ابي طالبص 245: «إني قد رأيت جدي رسول الله في منامي فخبّرني بأمر وانا ماض له...». وكذا اخبارته ع: «من لحق بي استشهد» و«كأني باوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء». ﴿وقبل هذا كله ما اخبر به رسول الله ص عليا وفاطمة والحسنين وبعضَ زوجاته والكثيرَ من اصحابه بأن ابنه الحسين سيقتل بارض يقال لها كربلاء.

واما عن الحكمة من قتله فانه لن يصعب على الحصيف المتتبع من ان يدرك ﴿بعضمراتبها كإحداث هزة قوية وعميقة وشاملة في ضمير الأمة ووجدانها بعد ان فقدت شعورها بالمسؤولية وحُجب عقلها عن ادراك ما يجري حولها من اخطار تهدد دينها ووجودها من قبل الحزب الأموي ومن دار في فلكه من المنتفعين واصحاب المصالح.

ولا ينافي هذا الاحتمالَ كونُ الامام ع لم يكن هو البادِئَ بالقتال بل هم الذين اعلنوا الحرب والقتال عليه ع فقاتل دفاعا حتى قتل. فتدبر.

الثاني: يمكن ان يقال بأن مراد الامام ع من المشيئة في كلامه هو ان تكليفه بوجوب التصدي الى الاصلاح في الامة سينتهي لا محالة إلى ان يُقتل ويستشهد وان اهل بيته من بعده سيؤخذون سبايا

وهي ضريبة تحملهم للمسؤولية الشرعية في الاشتراك في عملية الاصلاح المطلوبة وما سيقومون به أثناءَ السبي من دور اعلامي في كشف الحقائق وابطال الاباطيل وهذا البيان الصريح من الامام ع غير انه يعكس حالة من الشفافية والوضوح مع اتباعه واصحابه ليكونوا على بصيرة من امرهم عندما يلتحقون به ويسيرون في ركابه «من التحق بي استشهد» هو ايضا يدل على بيانٍ لحقيقةِ ما هم عليه الامويونَ من دمويةٍ وجرأة على الله ورسوله وأهل البيت ع وانهم لا يتورعونَ في سبيل المحافظة على حكمهم المغتصب ومصالحهم غير المشروعة من ان يرتكبوا أي جريمة وان ينتهكوا أي حرمة حتى ولو كانت من قبيل قتل الحسين ع سبط النبي ص وسبي ذريته. فإخبار الحسين ع بأن هذا ما سيجري عليه من قتل وعلى حرمه من سبي فيه الفاتُ نظرٍ وكشفٌ لحقيقةِ الامويين الذين يقومون بهذه الجرائم المفجعة وبالتالي فانهم ليسوا جديرين بالثقة والاتباع وان مواجهتهم واجبة على الأمة كلِّ الأمة.

والفرق الأساس بين الاحتمالينِ ان الاول اخبار منه ع بان ذلك انشاء في حقه بينما الاحتمال الثاني اخبار منه عن واقع سيجري عليه!.

الثالث: ان مهمة الاصلاح لاخراج الامة مما هي فيه من جهل وضلال وتيهٍ واستبداد لن تكون في هذه اللحظة التاريخة من حياة الأمة الا بعملٍ ملحمي دموي يُقتل فيه رجل كالحسين بطريقة مأساوية ممزوجة بالبطولة والشجاعة والتضحية والفداء على ان يصاحبه ويتعقبه عمل اعلامي كبير يقوم ببيان كل ما من شأنه أن يبين حقائق ذلك العمل الملحمي فيما كان عليه من منطلقاتٍ واهداف وتفاصيلَ قد حدثتْ ووقائعَ قد جرتْ وهو ما سيكون جوهر مهمة السبايا ودورهم الاساسي أثناء رحلة السبي والى ما بعد عودتهم الى المدينة المنورة.

وما كانتْ كلمة الامام الحسين ع تلك الا لبيان هذه الحقيقة الكبرى وانه لا أحد يمكنه ان يقوم بتلك المهمة على وجهها الاكمل مع كل ما يرجى لها من آثار الا هو دون سواه. كما ان الدور الاعلامي بعد المواجهة لن يكون مضمونَ الوجود والتحقق الا اذا كان المرشح له والمتصدي هم خصوص النساء والاطفال الذين لن يتمكن العدو في أي حالٍ من الأحوال من ان يتعامل معهم كما تعامل مع الرجال من اصطدام وقتال وقتل وهو الأمر الذي عناه الامام ع بقوله: «شاء الله ان يراهن سبايا» وفيه اخبار بنجاتهم وما سيجري عليهم وما سيقومون به من دور مكمل لمسيرة كربلاء. وعدم ذكر الاطفال هنا لا يلغي وجودهم وشمولهم بالكلام ومشاركتهم في الدور.

وعلى كل حال فانه ليس ثمة تنافٍ او تضاد بين هذه الاستظهارات الثلاثة بل هي وان بدتْ كذلك في بادئ النظر الا ان العلاقة بينها تكاملية وان بعضها يدل على بعض وينتهي إليه فما المانع من ان يراد من «نصي المشيئة» التنبيه على تلك الحقائق مجتمعة في آن واحد ولو بالتداعي او باختلاف حيثية الفهم؟!.

فهي تحتمل فعلا:

- تكليفي ان اقتل في كربلاء وتكليفهم ان يكونوا سبايا بعدها.
- ان تكليفي الاصلاح ولكنه سينتهي بقتلي وسبي النساء.
- لن يتحقق الاصلاح الا بقتلي وسبي النساء.

فهل مصب الكلام واحد «القتل - الاصلاح - تحقق الاصلاح» او ان الامام ع اراد التنبيه الى الحقائق الثلاث؟!

الظاهر انه اراد التذكير بالحقائق الثلاث مجتمعةً ولا مانع منه ومثلُهُ في الكلام كثير كيف لا وهو ع من اهل بيتٍ ع قد زقوا العلم زقا وأوتوا جوامع الكلام!.

القطيف