آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

كربلاء عالم لا حدود له!

الشيخ ابراهيم الميلاد *

بالرغم من شدة وضوح حادثةِ كربلاء فيما كانتْ عليه من اهدافٍ وغايات وما قد نقله لنا اهلُ البيت ع والتاريخ عنها من تفاصيل البطولة والمأساة الا انها ستبقى اكبر من ان يُحاط بكل ما تنطوي عليه من معاني وأسرار وحكم وتلك خصوصية من جملة خصوصياتها التي تفردتْ بها وستبقى متفردة.

ولكن لماذا كانتْ كربلاء وبقيت نورا لا ينطفئ وعَبرة لا ترقى ونهرَ عطاءٍ خالد يتدفق بكل قيم البطولة ومثلِ الاصلاح ومبادئ الحق؟!

لماذا كانتْ ولاتزال أكبرَ من ان يُحيط بكل اسرارها جيلٌ او ان يفسرها دفعةً واحدة زمان؟.

لماذا كلما قصد احد كربلاءَ وجدها كلحظةِ حدوثِها ملحمةً لا حدود لوقعها في النفوس ولا نهاية لعطائها في الحياة؟

هذا ما ينبغي ان يستوقف كلَّ من يقف على ساحلها وينظر في اعماقها ويتمعن في أفقها المشرق البعيد!.

واستشرافا للإجابة على هذا السؤال المكثف يمكن القول:

ربما يكمن سبب ذلك في امور من جملتها وأهمها ثلاثة:

1 - كون القيادة فيها اماما معصوما لا يُحتمل صدور الخطأ او الاشتباه او السهو منه وهو صاحب الذات المقدسة والمنزهة عن كل نقص يمكن ان يخطر على البال قال تعالى: «انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا» و«ليذهبَ» في الآية ظاهرةٌ في دفعِ جنسِ الرجس عنهم وتحصينهم عنه لا انهم كانوا عليه ثم رُفِعَ عنهم فهم ذواتٌ خُلِقتْ طاهرة مقدسة! بل لا حدود لتلك الصفتينِ الثابتتينِ شلهم . وهل الامام الحسين ع الا واحد منهم؟! فكيف لا يكون مشمولا بالآية الكريمة ومقصودا بها؟!.

وبالتالي فان العصمة تحقق صفتينِ في كل عمل يقوم به المعصوم ع «نبيا او اماما» فمن جهة يكون ذلك العمل متصفا بالمشروعية والرجحان قطعا ومن جهة ثانية منطويا على مصالح حقيقية وواقعية في ذات العمل بلا أدنى شك.

ومن هنا يسهل لكل احد يعتقد بذلك ان يُدرك بعمق ان كربلاء لم تكن الا ضمن هذينِ الاطارين المنبثقين من مبدأ العصمة الثابتة بنص القرآن للإمام الحسين فهي في الحد الأدنى عمل مشروع صالح ولن يخلو بحال عن مصلحة واقعية وحقيقية استطاعتْ الأمة ادراك كل مراتبها او لم تستطع فان عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود!.

فالتشكيك في مشروعية كربلاء جهل في جهل لأنه جهل بالعصمة وما تستلزمه في الافعال الصادرة عن المعصوم ع من صفات واقعية كما اشرنا.

فقول شريح القاضي «المفتي» الذي اتخذ إلهه هواه: «بإن الحسين ع خرج عن حده فقتل بسيف جده» لم يكن لولا انه تجاهل هذه الحقيقة في المبدأ والمنتهى حيث انه لإتباعه هواه لم يتمكن او لم يرد ان يلتفتَ الى ما عليه الامام حسين ع من عصمة إلهية تُحيل ان يكون العمل الصادر عنه ليس بمشروع او انه لا مصلحة فيه. وبالتالي فان ما قد جرى عليه ع في كربلاء من قبل الأمويين واذنابهم كان جريمة مفجعة لم يكن لها مثيل ولن يكون أبدا. بشهادة أخيه الامام الحسن ع حيث قال له مخاطبا إياه: «لا يوم كيومك يا ابا عبد الله». وهو يشمل المأساة والبطولة والعظمة والأجر والثواب والخلود!.

2 - الشكل الذي جاءتْ فيه واقعة كربلاء فعلى الرغم من انها من حيث الزمن كانت مواجهةً ليستْ بطويلة ولم تستغرق الكثير من الوقت الا ان الامام ع حرص على ان يجعل زمنها القصير مملوءاً بالكثير من الاحداث السريعة والخاطفة وهو الامر الذي جعل مشهد كربلاء يوم العاشر يضج بالأحداث اقوالا وافعالا ودموعا وآلاما وكأنها قد استغرقت اياما او اسابيع لا انها لم تتجاوز الا سويعات من نهار!. فلقد تمكن الامام ع بعبقريته وحكمته ان يجعل كل شيء يوم العاشر قبل المواجهة واثناءها وقبيل شهادته وبعدها متحركا بشكل ملفت وصارخا وناطقا بالحق والألم بحيث الى الآن مازالتْ اصداؤه تتردد في مسامع الدهر واعماقِ كلِّ وجدانٍ حر شريف. فجاءتْ خطبه المركزة والموجهة والمؤثرة مع مواقفه الاخلاقية العظيمة وتخطيطه العبقري للمواجهة ورباطة جأشه وصبره وثباته وحرصه الشديد على ان يعطي كل حدث قد جرى ما يكفيه من زمن ليثبتَ في الذاكرة وان يأخذ مكانه من القلوب والنفوس.. أقول: جاءتْ كلُّ هذه الافعال والمواقف من الإمام ع لتصنع مشهدا حقيقيا وملحميا وبطوليا ومأساويا هو أكبر من ان يستوعبه قلب او ان يحيط به عقل في زمان واحد مهما كان ذلك القلب كبيرا ومرهفاً وشديد الانفعال وكان ذلك العقل ألمعيا وفاعلا وحصيفا! وهو ما قد اراده الامام ع لكربلاء ان تصطبغ به وان تكون عليه لتبقى وتكون مهوى الافئدة ومقصد العقول لكل من اراد ان يستلهم منها عَبرة او عِبرة..

وهكذا بقيتْ كربلاء وستبقى عطاء خالدا يثير العقول ويحرك العواطف لتعطي اهل كل زمان زخما معنويا ساميا وبصيرة نافذة وَثّابة ما يستعينون به على مواجهة كل باطل ومحاربة كل فساد يهدد العقيدة الصحيحة والحياة الكريمة.

3 - ما كانت عليه كربلاء من روح التفاني في الله تعالى والدفاع عن دينه وحماية المقدسات والذب عن كل المثل العليا والقيم السامية بما لا يجد احد له مثيلا في التاريخ كله وهو ما يكشف لك عن عميق المعرفة لدى قيادتها ورجالها بالله تعالى وحرصهم المنقطع النظير في تحصيل رضاه وتضحياتهم التي لم يُشهد مثلها في مثل هذه المواقف والمواطن حتى شهد لهم الامام الحسين ع وهو فيهم ومنهم ومعهم ولا يقاسون به أبدا: «فاني لا اعلم اصحابا أوفى ولا خيرا من اصحابي ولا اهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي» وهي شهادة تجعلهم في الصدارة الى درجة الافضلية وان كل غيرهم دونهم في ذلك.

ان هذا التفاني الذي تجلى منهم في ارض كربلاء ادخلهم في «عالم ما كان لله ينمو» وصنع من ارواحهم ما لا مثيل لها ومن مواقفهم ما لا نظير! سواء كان في اصل صدورها منهم او في كيفيتها حيث الاخلاص والصدق والثبات.

اما ماذا يعني ان يكون عمل ما مشمولا بما لله ينمو؟! فهذا يعني حلول البركة به وتسديده في ان يصل الى غاياته وان يبقى ويدوم ويستمر ويؤتي أكله كل حين بإذن ربه تماما كالشجرة الطيبة التي اصلها ثابت وفرعها في السماء!.

وهذا ما يجده كل من نظر الى كربلاء بعين البصيرة وتأمّلَ عطاءاتِها الخالدة وبركاتها الدائمة في كل زمان ومكان.

واذا كانت كربلاء كذلك حيث تنمو في كل آن وتثمر في كل مكان فكيف سيتمكن قلبٌ ان يتسع لكل ذلك منها او ان يحيط به عقل؟!.

ان تلك الحقيقة المشهودة الملموسة يمكنها ان تفسر لنا جانبا ولو محدودا من عجزنا وجميع الاجيال وفي كل زمان ومكان من ان الاحاطة بكل ما عليه كربلاء من معاني وأسرار وانه امر لا يكون دفعة لكنه يمكن ان يكون تدريجيا..

بحقٍّ إن ما لله ينمو أبدا ولا يتوقف! وكربلاء كلها كانت لله تعالى! لذا لا نهاية لنموها ولا توقف لعطائها ومتى كان بإمكان المحدود ان يُحيط باللامحدود؟!.

أوليس عطاء كربلاء بلا حدود؟! أوليس ما قد أُعطي للإمام الحسين بلا حدود؟! فكيف لا يكون كلُّ ذلك حقا؟!...

ومن هنا يسهل على كل احد ان يدرك بعمق لماذا اصبحت كربلاء بهذه العظمة وكانت لها الصدارة والريادة والخلود.

القطيف