آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

عندما يتكلم التاريخ!

الشيخ ابراهيم الميلاد *

ان للتاريخ جملة وظائف يقوم بها بحكم طبيعته في حكاية وقائع الماضي وحوادثه وما اشتملت عليه من ظروف وتفاصيل وملابسات. ومهما تعرض التاريخ للتحريف او التزييف فانه يبقى بحكم طبيعته ايضا قادرا بشكل شبه حتمي على ان يحتفظ بما يكفي من معطيات معلوماتية يمكنها ان تلعب دورا كاملا ولو بنحو تدريجي في الاخبار عن الماضي وما اشتمل عليه من حقائق ذات صلة بالدين والحياة.

وهي الحقيقة الكبرى التي تؤكد على أهمية دور التاريخ في تأصيل وعي الشعوب وبناء حياة الأمم.

ولكن كيف يتم ذلك وفي أي اتجاه؟

ان التاريخ في الوعي الانساني يتحرك في مسارين متعاكسين لكنهما يلتقيان في مصب واحد من حيث الحكمة والمؤدى وهما:

الأول: المسار الذي ينقل الماضي للحاضر وهذا كما لا يخفى تحكمه الصيرورة فهو مسار في عين كونه متحركا فهو ثابت من حيث كونه قانونا «سنة» مطردا في الاشباه والنظائر.

الثاني: المسار الذي ينقل الوعي من الحاضر المحصل من الماضي الى ما هو اعم منه وهي تلك القوانين والسنن التي تشكل قنوات الاحداث في عمومها وخصوصها من دون ان تُلاحظ في الاعم الاغلب الا من ذوي الاختصاص والتحليل.

فاذا هما مساران وان كانا متعاكسين منهجيا بحكم الوظيفة الجزئية الا انهما يتكاملان في الوظيفة الكلية اذ انه لا إحاطة باحداث الماضي ولا وعي بما وراءها من سنن الا باتباع كلا المسلكين فالجزئيات مجتمعة لحاظا يمكن ان تكشف او لا أقل ان تنبه بان ثمة ما هو محرك لها فيما تنتهي إليه من نتائج ما دامتْ قد تحركت ضمن اطار أسبابها الموضوعية وبهذا وذاك يكون التاريخ قد أدى وظيفته في وعي الحقائق وادراك السنن.

ومجمل ذلك كله متى ما تحقق كانت الأمم والشعوب اكثر انتفاعا بالتاريخ باعتباره احدى المرجعيات في تحقق البصيرة وصقل الارادة وتقويم الحاضر واستشراف المستقبل.

والتاريخ وان امكن ان يحدثنا عن كل فصول الماضي أو جلها ولو في خطوطها العامة فيما كان عليه الكون والحياة والشعوب والأمم الا انه في الجانب الانساني لن نجده يحدثنا عما هو أهم من علاقة «الحاكم بالمحكوم» والعكس وذلك لعدة اسباب منها:

- كون تلك العلاقة محكومة بصفة الضرورة واللابدية اذ انه لاقوام للحياة ولا استقامة للمصالح فيها الا بوجود تلك العلاقة وكونها منضبطة بنحو قانوني وتحت ادارة عامة «الحكومة».

- كونها من الامور الثابتة والعامة والمطردة في عمقي الزمان والمكان والاحوال فلا استثناء فيها وذلك كله بعض من تجليات ما ذكرناه من صفة الضرورة.

- كونها من القضايا الساخنة على الدوام لما يحكمها من تفاعل متبادل وما يطرأ عليها من عوامل التأثير وما يكتنفها من خصومات ونزاعات على الحقوق والواجبات والاهم والمهم...

فماذا تحمله لنا ذاكرة التاريخ من حقائق عامة فيما يتعلق بعلاقة «الحاكم والمحكوم» وكيف يمكن تحويل تلك الحقائق بعد التسليم بحدوثها وواقعيتها وامكانية اطرادها وما يمكن ان نستخلصه منها إلى رؤى ومواقف.

ان التاريخ باعتباره احد حقول التجارب وحافظا لها ومذكِّرا بما وراءها من سنن ثابتة وقوانين عامة يؤكد في مجال علاقة الحاكم بالمحكوم والعكس على الحقائق التالية ويذكر بها بإلحاح لما لها من أثر كبير في صناعة وعي الحياة وتنظيم مساراتها العملية في الادارة والحكم:

1 - ما لم تكن علاقة الحاكم بالمحكوم خاضعة لدستور اساسي وعام يحدد الحقوق والواجبات والاهم والمهم والخطوط العامة للاستراتيجيات والسياسات وضوابط الخلاف والاختلاف فان تلك العلاقة لن تكون متسمة بالثقة والتفاهم والانسجام بل ربما كان العكس هو السائد والحاكم مما يعني اتهامات لا تتوقف ونزاعات لا تنتهي وتجاذبات تفقد العلاقة وبالتالي الحياةَ برمتها توازنها واستقراها وتقدمها الحضاري المأمول.

2 - الالتزام والتقيد بالدستور روحا وبنودا بشكل عملي وعدم الاكتفاء بوجوده او التمسك الصوري به وهو ما يعني سيادة القانون على الجميع من جهة وسدا لابواب التجاوزات والطغيان والاستبداد والعدوان من جهة اخرى.

وهو ما سيقي المجتمع والدولة والأمة من حالات القلق والسخط والفوضى ويجعلها في أمن واستقرار بعيدا عن كل حالات التصعيد السلبي والتوتر والصدام.

3 - يحكي التاريخ من خلال وقائعه: بان العلاقة بين الحاكم والمحكوم ينبغي ان تكون ذات طابع انساني عام تحكمها الرحمة وتسودها الرأفة وان تكون بعيدة كل البعد عن قساوة القلب والعنف والارهاب والانتقام وهو ما سيجعل الحاكم قريبا من الشعب والجماهير والرعية كما ان ذلك منه سيجعلهم أكثر اعجابا به واحتراما له وانقيادا بل وتعاونا معه في كل خير! ولن يكون الحاكم ذا طبع انساني الا اذا وعى امثال هذه الحقائق وادرك بان الرئاسة ليست الا ظلا زائلا واياما معدودة وانها ما اسرع من ان تتصرم وتنقضي وكأنها لم تكن.

4 - لاشيء يمكن ان يحول الحياة والمجتمع والدولة الى شقاء وجحيم لا يطاق كالظلم والعدوان وتجاوز الحقوق والواجبات فان ذلك سواء كان من الحاكم او المحكومين «الرعية» فانه يعرض كل شيء الى الاهتزاز والفوضى والدمار. فكم هي الحضارات والدول والامم التي تدمرت واندرست وحقت عليها كلمة العذاب نتيجة غياب العدالة فيها وسيادة الظلم والجور؟! وكم هي المجتمعات التي دخلت في دوامة من الانفلات والشقاء نتيجة ابتعادها عن مبدأ العدل وتساهلها في العمل به؟! ان العدل والمساواة في اعطاء الحقوق والقيام بالواجبات هما حجر الزاوية في العلاقة بين الحاكم والمحكوم ومن دونهما كل شيء سيكون عرضة للانهيار والزوال.

5 - روح القانون هي المرآة التي تتجلى فيها حقيقة القانون ومصداقيته القيمية والعملية وهي بالتالي ما تشكل حقيقته فيما هو عليه من عدل وحق ومساواة واحسان ومن دون الالتفات الى روح القانون ستتحول بنوده الى أشبه شيء بالاصنام او النصوص الجامدة التي لن يصعب على أحد تفسيرها وتأويلها كما يشتهي هو ويرغب! ومن هنا تأتي اهمية الالتفات الى روح كل قانون يراد العمل به وتطبيقه لما في ذلك من نشر لروح الألفة والتسامح والعفو والتجاوز خصوصا فيما يرتبط بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم مما يضفي على العلاقة حالة من السمو والتقدير المتبادل وهو ما قد كان من رسول ص عندما دخل مكة فاتحا حيث كان من حقه ان يطبق القانون وان يعاقب به ولكنه عفى عنهم وتجاوز في مشهد لا مثيل له في التسامي ولا نظير له في الرحمة وليس من شك في ان الأولى بالعفو هو الاقدر على العقوبة!.

وفي الاخير ينبغي التأكيد على انه لا حاضر لمن لا تاريخ له ومن لا حاضر له كيف سيكون له مستقبل؟!

ومن لا يقرأ التاريخ او لم يحسن قراءته فإنه سيظل ابدا عاجزا عن فهم حاضره كما هو في واقعه ومن كان كذلك مع حاضره المشهود له فكيف يا ترى سيكون مع مستقبله الغائب عنه؟!

فهل يقرأ الحكامُ التاريخَ ويستخلصون منه الدروس والعبر؟! وهل تعي الشعوب أهمية التاريخ في وعي الحاضر وبناء المستقبل؟!

هذا ما يقرره كل جيل بنفسه حاكما كان او محكوما!.

القطيف