آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

لكي لا تقتل الطائفية أحدا في العالم

الشيخ ابراهيم الميلاد *

ليس من شك في ان واقع العرب والمسلمين اليوم هو الأسوأ حالا من بين الشعوب والأمم ولو لم تكن من بين كل المشاكل والأزمات الا مشكلة النزاعات الطائفية المشتعلة لكفتْ دليلا على صحة ما قد ذهبنا اليه من توصيف.

وبالرغم من ان ذلك لم يكن وليد الساعة وانما كان شيئا قديما يبرز تارة ويتوارى اخرى ويشتد احيانا وتخف حدته اخرى تبعا لعوامل ذاتية وموضوعية الا ان ما قد انتهت اليه المشكلة الطائفية في العالم الاسلامي اليوم مما لا مثيل له في سائر العصور من حيث حجم المشكلة وسعتها وحدتها وعمقها وتداعياتها وما تنتهي اليه في كل آن من تأجيج وضحايا وخسائر في الارواح والممتلكات - اقول: ان ما قد انتهت اليه تلك المشكلة - يجعل موضوع التوقف عندها ومعالجتها اكثر إلحاحا واهمية.

ولقد اتسعت تلك المشكلة وتعمقت الى درجة يمكن القول بأنه لا توجد منطقة من مناطق بلدان العالم العربي والاسلامي تكاد تخلو منها او انها غير مهددة بأن تصل اليها نيرانها المتأججة في أي لحظة من اللحظات.

وان الذي يثير الرعب في النفوس من جراء تفجر المشكلة الطائفية هو انها لم تعد كما هي في الاعم الاغلب من كونها مجرد سجالات كلامية او نقاشات وحوارات تسخن تارة وتبرد اخرى من دون ان يكون لها مضعفاتها وافرازاتها الجانبية التي من شأنها ان تهدد الامن والاستقرار الاجتماعيين بل لقد تحول الخلاف النظري الى تكفير متبادل ونزاعات دموية وحروب تهدد حياة المسلمين والعالم!.

كما انه قد دخلت فيها السياسة بكل اشكالها واصبحت لعبة بيد اجهزة المخابرات المحلية منها والعالمية مما زاد نارها أوارا فوق كونها مشتعلة بذاتها لطبيعتها الخلافية السجالية.

فما الموقف الذي ينبغي ان يكون من هذه الازمة الطائفية المذهبية في حالتها الراهنة حيث التكفير المتبادل والاحتراب الدامي كما هو اليوم واين يا ترى يكمن المخرج؟

ان الاجابة على ذلك يمكن ان نجدها بالالتفات الى النقاط التالية:

1/ ان التعددية المذهبية هي واقع تاريخي كان ولايزال كحقيقة موضوعية قائمة لا يمكن لاحد بحال نكرانها او تجاهلها وهذا يعني انها كما كانت وبقيت الى اليوم فإنها ستبقى وتستمر الى ان يشاء الله تعالى «ولا يزالون مُختلفين» واذا كان الامر كذلك فينبغي التعامل معها على هذا الاساس الواقعي الحقيقي ومن هنا تأتي أهمية تأصيل رؤية شرعية وعقلية يُنظر من خلالها ويتعامل مع هذا الواقع القائم والمستمر بعيدا عن كل ما من شأنه ان يجعل منها مشكلة او ازمة تورث الحساسية او الاحتقان.

وليس الجامع في نظري الا النظر الى سائر المذاهب الاسلامية ما كان منها وما هو كائن فعلا وما يمكن ان يستجد على اساس انها ثمرة من ثمار الاجتهاد المشروع في الاسلام باعتباره حركة علمية منضبطة بشروط في آلياته ومؤدياته يجعل من نتائجه متى ما كانت امكانية ان تتصف بصفة الحجية والاعتبار عقلا او شرعا.

ان هذه الرؤية المبدئية من شأنها ان تجعل من تلك المذاهب المتعددة شيئا طبيعيا بل وحتميا «مؤكدا» طالما كانت وليدة اجتهاد شرعي كان قائما ضمن اطار ضوابطه المحددة شرعا او عقلا. وبالتالي فانه لا محيص من ان النظرة اليها من هذه الزاوية وبهذه الكيفية وعلى هذا الاساس سيجعل منها ظاهرة ايجابية ومثمرة على نحو اليقين.

2/ اذا كانت المذهبية من ثمار الاجتهاد العلمي المنضبط كما هو المفترض فان المرجعية في محاكمة ما تنطوي عليه من استنباطات وانظار ووجهات نظر تاريخية وعقائدية وفقهية انما تكون بالاجتهاد المماثل والتحقيق نوعا وكيفية وحجة وهو ما يتكفل بالتصدي له الفقهاء الذين حصلوا على ملكة الاستنباط وصاروا بذلك من اصحاب الاجتهاد والنظر والقدرة على النقض والابرام وهو معنى التخصص في فهم الدين من خلال نصوصه وقواعده.

وليس من شك ان معالجة الانظار بمراجعة اهل التخصص دون سواهم ممن لا خبرة لهم بها كفيل بان يجعل الاختلافات في الرأي تتحرك ضمن قنواتها العلمية والشرعية بعيدا عن الاهواء العاصفة والآراء المبتدعة. وهو ما سيضيق دوائر الحساسيات والصدامات بين عامة ابناء الامة ممن ليسوا هم من اصحاب الخبرة فيما يتصل بالاستنباط والاجتهاد وبالتالي فانه سيكون فهم الدين من خلال نصوصه المعتمدة وبقواعد منهجية منضبطة وبذلك تتحقق اهم ضمانة لسد ابواب التلاعب بالدين والقول فيه بلا علم وتوظيفه للمصالح الآنية والعاجلة مهما كانت اطرافها ولاعبوها.

3/ ان المرجعية المجتهدة في فهم النص من ادلته بما هي عليه من ملكة الاجتهاد المتخصص هي المعنية بمناقشة الاجتهادات المذهبية في مختلف المجالات دون سواها من ابناء الأمة الذين ليس تكليفهم الا الرجوع الى اهل الاختصاص أولئك وتقليدهم بالالتزام والعمل بما توصل اليه اجتهادهم العلمي.

ومتى ما التزمت الأمة بتلك الوظيفة واوكلت الأمر الى الفقهاء ليبحثوه ويناقشوه ضمن قنواته وضمن المعاهد العلمية «الحوزات والجامعات» الدينية المتكفلة بذلك كانت بمنأى عن كل ما من شأنه ان يؤجج ويغذي نار الفتن الطائفية وهو ما الأمة بأمس الحاجة اليه بعد ما اكتوت لسنوات طوال بنتائجه السلبية المدمرة لألفتها ووحدتها بل ولأوطانها وما انجزته من مدنية وعمران.

4/ اننا بأمس الحاجة الى ان نعيد النظر في امرين متلازمين في المؤدى لكي تكون علاقتنا بالدين كما يريد هو لا كما نحب نحن... وهما: الأول: ان نفهم الدين كما يريد هو لنا ان نفهمه وهذا لن يتحقق الا اذا كانت محاولات فهمه من نصوصه وقواعده منبثقة من مناهجه وحكمه ومقاصده وعلى اساس ضوابط منهجية الاجتهاد وقواعده وبالتالي بعيدا عن الاهواء الذاتية والآراء الشخصية.

والثاني: ان نكون في مختلف مجالات حياتنا من الناحية العملية منضبطينَ تمام الانضباط بحدود الدين وتعاليمه وتوجيهاته واخلاقياته.

ومتى كانا هذان الامران معا كنا كما يحب لنا الاسلام ان نكون وعندها فقط سنرى كيف يصنع بنا الاسلام وكيف يقود الحياة.

ان واقعنا المشتعل بالخلافات الطائفية يكشف لنا بما لا مجال فيه الى الشك انا قد ضيعنا الامرينِ معا! وهذا ما ينبغي لنا ان نفكر بعمق في كيفية علاجه ومن اين ينبغي ان تكون نقطة البداية فيه؟!.

5/ مهما يكن واقع المسلمين وفي اي مرحلة تاريخية كانت فان ما هم عليه من واقع لا يحكي الا واقعهم لا واقع الاسلام فيما لو قدر له ان يكون! وهذه حقيقة ينبغي ان لا تغيب أبدا لان في غيابها اتهاما للاسلام مما هو براء منه وتحميله ما عليه المسلمون من جهل به وتخلف وانحطاط وهو خلاف للحقيقة تماما اذ انه ليس ثمة احد يمكنه ان يناقش في ان كل ما المسلمون عليه في حياتهم ليس الا بما كسبته ايديهم وانه ما لم يصححوا فهمهم للدين والتزامهم العملي به سيظلون ابدا على ما هم عليه اليوم من جهل وتخلف واحتراب.

6/ يستثنى من كل ما ذكرناه ممن يمكن ان يجمعه عنوان المذهب والطائفة المنبثقينِ من عملية الاجتهاد المشروع... كلُّ الحركاتِ التكفيرية والجماعات الارهابية التي تتخذ من الاسلام ستارا تتوارى به وتخفي حقيقتها العدوانية للإسلام والمسلمين حيث اقامت حركتها على اساس التشدد والتطرف في تقييم بقية المذاهب الاسلامية حتى قامت بتكفيرها جميعا وكذا كلّ من خالفها في رأي او نظر وحكمتْ على الجميع «الاخر» بالكفر واباحتْ العِرض والدم واخذتْ توغل في الدماء وتهتك الاعراض من دون اي رادع يردعها فنشرت الخوف والرعب بين المسلمين واعلنتْ الحروب ودمّرت المجتمعات والدول بما لا عهد للمسلمين بمثله ابدا.

ان هذه الجماعاتِ المارقةَ المتسمية باسم الاسلام «كداعش والقاعدة والنصرة وغيرها» لا يمكن باي حال شرعنتها على ما هي عليه من عدوانية وارهاب وتكفير لعامة المسلمين ممن يخالفونهم في الآراء والانظار والسياسات.

بل ان الدين والعقل معا يحكمان جزما بوجوب التصدي لهم ولأمثالهم والاخذ على ايديهم والوقوف بكل قوة في وجههم والعمل الدؤوب على افشال كل مخططاتهم التخريبية التدميرية. وكم يا ترى يحتاج ذلك من وعي وتضامن ووقت وتضحيات؟!

ان الطائفية البغيضة اليوم فيما تمظهرت فيه من روح عصبية وتشدد وتطرف وتكفير وتدمير هي التحدي الأكبر في وجه الجيل الحاضر من المسلمين وفي العالم... فكيف ستكون المواجهة لهذا التحدي القائم وبأي سلاح سيتم مواجهته والانتصار عليه؟!.

هذا ما لابد ان يتحدث عنه التاريخ في لحظة من اللحظات.

القطيف