آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

آفة الحكم الطغيان

الشيخ ابراهيم الميلاد *

في الوصول الى دفة الحكم وكرسي الملك والرئاسة وادارة البلاد وسياسة العباد ما لا يُحصى عددا من الافات والامراض والمزالق التي قد يصاب بها الحاكم منذ لحظة وصوله وخلال تقلبه في منصبه الخطير.

ولكن اعظمها خطرا واكثرها ضررا على الاطلاق خلال ذلك كله هو ان تطغى في نفس الحاكم مشاعر كاذبة تتضخم فيها ذاته الى درجة يعتقد فيها بعد ذلك بأنه كل شيء في البلاد «انا البلاد» «انا الدولة»... «انا ربكم الاعلى» وانه صاحب الفضل والنعمة والخير وانه لولاه ما كان الوطن ولن يكون ابدا وبالتالي فانه هو ذو الفضل والمتفضل وانه ولي النعمة وان الشعب والجماهير والمواطنين كلهم من دون استثناء لابد ان يدينوا له بكل ذلك اعتقادا والتزاما من خلال الولاء المطلق والطاعة الكاملة ومن لم يكن منهم على هذه الشاكلة فانه في نظر الحاكم وحكومته - امره مريب وانه مشبوه وبالتالي لابد ان يُلاحظ ويراقب ويلاحق وربما أُتهم جزافا وحُكم وعوقب على اتهامات ليس له فيها لا ناقة ولا جمل!.

وليس من شك في ان الحاكم متى ما بلغ به الامر ذلك فإنه سيُحوِّل حياة الشعب والجماهير الى جحيم لا يطاق لما سيترتب على ذلك من نتائج سلبية ومفاسد فعلية ستنعكس بدورها بشكل مباشر وغير مباشر على عموم الحكومة والشعب في البلاد.

ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:

- الشعور او الاعتقاد او التعامل الفعلي من موقع ان كل شيء في البلاد هو ملك شخصي له لانه هو الذي اوجده او أسسه او اشرف عليه او انه قام برعايته والاشرافِ عليه.

- ان الشعب كل الشعب ليسوا هم بأكثر من كونهم عبيدا او مملوكين او مأمورين ليس عليهم الا واجب السمع والطاعة أوليس هو ولي النعمة وصاحب الفضل وانهم يعيشون على مائدته ويأكلون من خير ارضٍ هو مالكُها ولولاه ما كانت ولا كانوا؟! فكيف لا يكون له كل ذلك فيهم وعليهم؟!.

- انه لا يحق لاحد ان يحكم البلاد ويسوس العباد الا هو او من يكون بمنزلته نسبا او سببا وهو لن ينطبق الا على اضيق الدوائر المقربة من الحاكم الذي لا يرى في الحياة كلها غيرهم ممن يمكن ان يشكلوا امتدادا طبيعيا له.

- انه فوق الدستور وان القانونَ دونه وانه يحق له التغيير والتفسير والتأويل دون سواه لانه الاعلم او الاقدر على ادراك المصالح وتشخيص الاولويات في حياة الدولة والمجتمع وهو ما سيجعل مسير البلاد والعباد ومصيرهما رهن امره ونهيه خاصة!.

- ان معايير الحرية «الحريات العامة» وحجمها سعة وضيقا انما يُرجع فيها اليه ولانه سجين ذاته ومنكفئا على أناه فإنه لن يقبل بان يكون شيء من الحريات متاحا متى ما كان ثمة احتمال بان شيئا منها يمكن ان يهدد مقامه او يزعزع وجوده واستمرار الحكم له او في من يشكلون امتدادا له او لخطه وقنعاته.

- امكانية السقوط في اشكالية «جريمة» الاستئثار بثروات البلاد وخيرات الشعب وجعلها بستانا شخصيا يروح ويغدو عليه متصرفا في ثماره ونتاجه وخيراته كما يراه هو ويقدره بحسب رأيه ومزاجه بعيدا عن اي رقابة قانونية او مسائلة من احد وهو ما سيعرض ثروات البلاد وخيرات العباد الى التلاعب بها والاستهتار والضياع.

وهكذا الى ما لا نهاية له من انحرافات ومفاسد وتداعيات مما قد يترتب على استغراق الحاكم في حب ذاته والتمحور حولها وجعلها إلهاً «أفرأيتَ من اتخذ إلهه هواه..» مما قد ينعكس على خياراته السياسية واجراءاته الادارية وتحالفاته في الداخل والخارج ومواقفه ممن يخالفونه في الرأي اويعارضون اسلوبه في الحكم.

واخيرا:

فان هذا كله وامثاله هو ما سيصادر حق الشعوب في ان تقرر مصيرها بنفسها وان تختار لنفسها ما تحب ان تكون فيه وعليه من شكل في ادارة الحكم وسياسة البلاد وليس المانع من ذلك في المقدمات والنتائج الا «روح الاستبداد» التي تولد في النفس نتيجة الافراط في حبّ الذات واتباع الهوى اولا ثم تتحول الى مارد يجعل كل شيء في حياة البلاد على كف عفريت. أليس كذلك؟!.

القطيف