آخر تحديث: 26 / 10 / 2021م - 7:33 ص

ما هذا؟

ابراهيم الزاكي

يروى أن الإمام علي كان يجول في شوارع الكوفة، فمر بشيخ كبير السن يتكفف، أي يستجدي الصدقة من الناس، فوقف متعجباً قائلاً لمن يصحبه: ما هذا؟ فأجابه مرافقوه بأنه نصراني قد كبر وعجز ويتكفّف. فرد قائلاً: ”ما أنصفتموه.. استعملتموه حتى إذا كبر وعجز تركتموه. اجروا له من بيت المال راتباً“.

لقد استخدم الإمام تعبير ما هذا؟ ولم يقل من هذا، تعبيراً عن انزعاجه من هذا المشهد، واستنكاره لحالة الرجل المزرية، الغير مقبولة والغير مُرضية، بغض النظر عن الشخص المشاهد، وإلى أي دين انتمى، فالقضية بالنسبة له هي قضية مبدأ وموقف، فالإنسان يجب أن يعيش حراً مكرماً ما دام يعيش في دولته، وأن يتنعم بالعدالة، ويشمله التضامن والتكافل الاجتماعي، وإن لم يكن مسلماً.

واليوم في هذا الزمن المعاصر، تتكرر نفس المشاهد المزرية، بغض النظر عن هوية الشخوص المشاهدة. إذ ماذا عسانا نقول حول مشاهد وصور المآسي الإنسانية المفجعة والمؤلمة التي نشاهدها بشكل يومي، وكان آخرها مشهد تلك الفتاة الأيزيدية التي حكت عن بعض من فصول مأساتها ومعاناتها حين اختطفت هي مع الكثير من بنات جلدتها وجنسها، وتم اقتيادهن إلى معاقل الجماعات المتوحشة، حيث تم تبادلهن كالهدايا، وتحولن إلى لحمٍ يُباع ويُشترى. وأضافت قائلة بأنه ”تم استعبادي وبيعي وتأجيري لعشرات المرات، وفُصلت عن أمي وأخواتي ولم أر أمي إلى هذه اللحظة“.

كما لم تنسَ ما شهدته أمام أعينها من إجهاض النساء، واغتصاب القاصرات، وفصل الأطفال الرضع عن أمهاتهم، وإلى غير ذلك من مشاهد وحشية حصلت أمامها. كما روت ”كيف أرغمها رجلٌ على ارتداء ملابس غير محتشمة، ووضع مساحيق التجميل، ثم فعل فعلته في تلك الليلة الرهيبة“. وتحدثت أيضاً وهي تغالب دموعها عن الرعب الذي أصابها حين جردها سجانها من ملابسها قبل أن يقتادها إلى مجموعة من الوحوش الذين تناوبوا على اغتصابها حتى فقدت الوعي.

كم هي مؤلمة تلك المشاهد المزرية، حيث الحرائر من هذه الأمة يُشردن من البيوت، ويهمن على وجوههن مشياً على الأقدام في الصحاري والبرور، أو على سفوح الجبال، ويختبئن في كهوفها ووديانها خوفاً على أنفسهن، وهرباً من الوحوش البشرية المسعورة، آكلة الأجساد البشرية ونهاشة اللحوم. فها هُن الحرائر في مناطق الحروب يُسبون ويُختطفن ويُحتجزن، ويُبعن في الأسواق والساحات، ويتم الإتجار بِهِنَّ كالسلع التجارية، ويُنتهك شرفهن، ويتعرضن للاغتصاب والإجهاض، ويُجبرن على التزوج من أمراء الحروب، من دون رادع من دين أو ضمير أو أخلاق.

وكم هي مؤلمة أيضاً وجارحة مناظر الهاربين فراراً من أوطانهم، النازحين عنها قسراً بشكل جماعي، على أثر تعرض أماكن سكناهم لهجمات الوحوش الضارية، في مشاهد مؤلمة وقاسية يندا له الجبين، بحثاً عن ملاجئ تأويهم من الموت. فيتيهون في المنافي وأماكن الشتات، ويهيمون على وجوههم براً وبحراً، في ظروف طقس قاسية، ووسط أمواج البحار العاتية. فيموتون غرقى، وإن نجو، فهم يموتون إما اختناقاً في الشاحنات، أو بين حدود الدول، إذ لا يكاد يمر يوم إلا ونسمع عن فاجعة إنسانية جديدة ضحاياها بالعشرات، فهم إذ يهربون من الموت، الذي تسببه الحروب والعنف والإرهاب، يقعون فيه، وإنما بوسائل وطرق أخرى.

حقاً إنها لجرائم ضد الإنسانية، وكوارث عظيمة، وجرائم نكراء، ومأسي حقيقية مروعة، تقشعر لها القلوب الحية، ويهتز لها ضمير كل إنسان حر عاقل رشيد. إذ كيف يعقل بأناس يدعو دينهم بأن يكونوا المثل الأعلى في الأخلاق، وحسن التعامل مع الآخرين، إلى ارتكاب مثل هذه الجرائم الفظيعة، والأفعال الشنيعة البغيضة، في الوقت الذي يوصي فيه الدين باحترام الإنسان كإنسان، مهما كان دينه، وأن ينعم بالعدالة، ويشمله التضامن والتكافل، وأن تحترم حقوقه المادية، كجسده وماله، وحقوقه المعنوية، كحريته وكرامته، واختياره لدينه؟

لا حول ولا قوة إلا بالله.