آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 5:19 م

كُتُب نعاود قراءتها

ابراهيم الزاكي

كلٌ منّا هو بالتأكيد نتاج للتثقيف الذي تعرض له، أو تحصل عليه، على مدار فترات حياته المختلفة، فالبنية المعرفية، أو التكوين الثقافي لكل منّا، هو حصيلة المعارف أو الكتب التي قرئها واطلع عليها، فكان لها تأثيرها فيه، والمساهمة في نضجه المعرفي، وتشكيل رؤاه وأفكاره، ونظرته إلى العالم وإلى نفسه وإلى الآخرين والأشياء من حوله، إذ أن تأثير الكتب لا ينتهي بانتهاء القراءة، بل هو يبدأ مع بداية القراءة، ويستمر بعد الانتهاء منها، حيث تتحول الأفكار المتضمنة فيها إلى جزء من وعي القارئ، ولا وعيه أيضاً.

حين ترجع بنا الذاكرة إلى الكتب التي قرأناها على مدار فترات حياتنا المختلفة، دائماً ما يقفز إلى ذاكرتنا البعض منها دون غيرها، حيث تظل عالقة بالذاكرة دون نسيان، كونها مثّلت إضافة نوعية لنا في حينه، أو أثّرت في تكويننا المعرفي، أو يمكن لشعورنا بحنين وعاطفة تجاهها، إذ أن لكل كتاب عبقه ونكهته ومذاقه الخاص، وهو الأمر الذي ربما يدعونا لمعاودة قراءتها مرة أخرى في مراحل عمرية لاحقة، حيث نكتشف خلال مطالعتها الثانية على أشياء جديدة لم نلحظها، أو كانت غائبة عنا عند القراءة الأولى، وقد يرجع ذلك إلى التراكم المعرفي الذي تكون لدينا، والتجربة الحياتية التي مررنا بها وأضافت لنا، والخبرة الإنسانية التي تحصّلنا عليها خلال مراحل العمر المختلفة، وقد يرجع ذلك أيضاً إلى المرحلة التاريخية التي نمر بها لحظة القراءة الجديدة.

كتاب «تعليم المقهورين» من الكتب العديدة التي ما زالت حية في الذاكرة، وما زالت أفكاره الرئيسية محفوظة وتقفز إلى البال وتستعاد بين حين وآخر، وهو من تأليف المعلم البرازيلي باولو فرايري، وطبعته العربية الأولى صدرت عام 1980م عن دار القلم ببيروت، والكتاب في جوهره هو خلاصة تجربة إنسانية حية وحقيقية في مجال التعليم، حيث توطدت شهرة الكاتب وهذا الكتاب على أنه يقدم نظرية جديدة في أساليب التعليم تتمحور حول فكرة التعليم الحواري.

لقد انطلقت تجربة الكاتب هذه من واقع معاش، يسوده ويغلب عليه القهر من جانب، والبؤس والفقر والجوع والحرمان من جانب آخر، حيث كان باولو وأسرته جزء من هذا الحرمان، والذي جعله يُقسم على نفسه بأن يكرس حياته للنضال ضد الجوع والحرمان، من أجل تطوير مجتمعه وتقدمه والرقي بأفراده، ليكونوا قادرين على المشاركة والمساهمة في تقدم مجتمعهم والرقي به. إن هذه التجربة الحية التي انطلقت وبدأت من الواقع، هدفت في نهاية المطاف إلى تغيير هذا الواقع ذاته، وتطويره والرقي به وبأفراده إلى ما هو أحسن وأفضل.

أتذكر أنني اشتريت الكتاب في نهايات ثمانينات القرن الماضي من مكتبة المتنبي بالدمام، واليوم حين أكتب هذه المقالة، أكون قد أعت قراءة الكتاب، ليس فقط للمرة الثانية، وإنما للمرة الثالثة. فمن الجلي القول إن قراءة الكتاب اليوم له طعم آخر مختلف وخاص، حيث يوقظ في نفوسنا إحساساً بالألم العميق مما يجري في منطقتنا من أحداث، في ظل ما تمر به مجتمعاتنا العربية من أوضاع دقيقة، وما يحدث فيها من أوضاع صاخبة تتجلى في مظاهر الفوضى والعنف والإرهاب والتكفير، والتي تفتك بالعديد من الأوطان العربية المختلفة، حيث انزلق بعضها نحو الفتن والتشظي والحروب الأهلية.

وإذا ما كانت مجتمعاتنا تعاني في هذه المرحلة التاريخية من تنامي وانتشار الظواهر المنحرفة بين أجيالها الشابة، حيث نمت وتطورت هذه الظواهر على حين غفلة من الزمن نتيجة التثقيف السلبي، فإنه بالإمكان من خلال التثقيف الإيجابي المضاد إحداث التغيير في ثقافة ووعي الأجيال الناشئة، وحمايتها من الظواهر المنحرفة والتصدي لها، والعمل على تحصينها من الانحراف، أو تبني الأفكار المنحرفة والمناهج المغلوطة، حيث يمكن من خلال التعليم الحواري تفكيك التركيبة الذهنية والفكرية التي أدت إلى الانحراف، وصياغة عقلية وذهنية جديدة تكون أكثر قابلية واستعداداً للنهل من الثقافة الإيجابية.

وعلى هذا الأساس يجدر القول بإن التعليم الحواري الذي يدعو له المعلم باولو فرايري يمكن أن يُتخذ كأسلوب تعليمي يساهم في عملية تغيير النسق الثقافي والفكري. فمن خلال إتباع الطرق الحوارية العقلانية، وأساليب ومهارات الإقناع بالتي هي أحسن، المنفتحة على الدليل والبرهان والحجة، والدعوة إلى طريق الخير والحق والصواب بالحكمة والموعظة الحسنة، من شئنها أن تقود إلى إحداث التغيير المنشود بشكل متدرج وتراكمي مع مرور الزمن.

إننا اليوم في ظل ما تمر به مجتمعاتنا من أوضاع دقيقة وحرجة بحاجة إلى أن نتعلم ثقافة الحوار وثقافة الاختلاف، فمن خلال استخدام الأساليب الحوارية الحسنة والحكيمة واللينة، يمكن أن ترتفع احتمالية الاستجابة للثقافة الإيجابية، وتقبُّل الأفكار الحسنة بين الأجيال الشابة والناشئة، وإقناعهم بالعدول عن تبني الأفكار المنحرفة والمناهج والمغلوطة، والتأثير في قناعاتهم، وتغيير نمط تفكيرهم، وبالتالي تغيير سلوكهم وممارساتهم، من دون اللجوء إلى لغة العنف اللفظي والمعنوي في عملية الحوار والإقناع، أو استخدام أساليب الحوار الخشنة والمنفرة، وبعيداً أيضاً عن استخدام أساليب العنف المادي.