آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

كيف نحافظ على الأمن ونصنع الاستقرار في اوطاننا؟

الشيخ ابراهيم الميلاد *

لاشيء يعادل الأمن أهمية في الدول والمجتمعات والامم باعتباره قاعدة الاستقرار ومن دون كل من الأمن والاستقرار سيتعرض كل شيء في الحياة الى الانهيار والدمار السريعين! ومن هنا كان الحفاظ على الأمن والاستقرار من اهم وظائف الحكومات والدول والشعوب ومن ابرز مسؤولياتها الرئيسية قديما وحديثا على حد سواء.

ولكن السؤال كيف يمكن توفير الأمن والمحافظة عليه؟

قبل الإجابة ينبغي التذكير بحقائق:

1/ ان تحقيق الأمن ليس من مسؤولية الدولة او الحكومة فقط وإنما الأمن من مسؤولية كل من الحاكم والمحكوم معا وكل بقدره ومن موقعه وحسب امكانياته المتاحة.

2/ ان الاهمال او التساهل في الأمن من قبل الدولة او الشعب من شأنه ان يؤدي الى الفوضى والفلتان والاستهتار وهي الحالات التي متى ما كان شيء منها كان كل شيء في الدولة والمجتمع على كف عفريت!.

3/ لاشيء يتقدم على الأمن لاهميته وضرورته لما هو معلوم من ان كل ما عداه في الدولة والمجتمع يتوقف على وجوده

وديمومته فهو شرط الحياة المستقرة وقاعدة المدنية الناهضة.

4/ المساس بالامن مساس بحق كلِّ فرد في المجتمع والدولة والأمة وبالتالي فان العدوان على مقومات الأمن واستقراره هو عدوان على حق جميع المواطنين في ان يحيوا آمنين على أنفسهم واموالهم وأعراضهم وحقوقهم من كل ما يمكن ان يتهددها ويشكل خطرا على وجودها وبقائها.

اما كيف يمكن ان يتحقق الأمن في المجتمع ويسود الاستقرار في الدولة والوطن؟

فهذا يمكن ان يكون بتحقق المبادئ والاجراءات التالية:

اولا: عدالة الحاكم واستقامته القانونية والأخلاقية

ان الحاكم متى ما كان مستقيما في التزامه بالقانون متحليا بمكارم الأخلاق في ادارته للبلاد والعباد بعيدا عن الظلم والجور والعدوان كانت اجواء الدولة وحكومتها والمجتمع اقرب الى روح الأمن واجواء الاستقرار تماما على الخلاف فيما لو لم يكن الحاكم او المسؤولين في الدولة والحكومة كذلك اذ ان مخالفة القانون من قبل القائمين على إدارة دفة الحكم في البلاد وتخليهم عن الفضائل وتجاهرهم او معرفة الشعب بذلك عنهم من شأنه ان يجرئ المواطنين على القانون ويجرهم الى التساهل ويوقعهم في الكثير من التجاوزات التي من شأنها ان تهدد الامن وتزعزع الاستقرار وربما انتهى ذلك في مراحل متقدمة من الانفلات الى عموم الفوضى والخراب.

ان عدالة الحاكم ومصداقيته في نظر شعبه هما صماما الأمن والآمان ومتى لم يكونا لم يكن أمن ولا أمان بل هو التسيب والتجاوز والفوضى او الانتفاضة الشاملة اوالثورة العارمة كما حصل كثيرا في التاريخ ويجري اليوم في الكثير من الدول.

ثانيا: الحرية والمساواة على مستوى واحد للجميع

لا يكفي ان يكون للدولة دستور معلن وقوانين ولوائح مشهورة معروفة لتسود العدالة ويعم الامن ويتحقق الاستقرار فان ذلك على أهميته القصوى بل وضرورة وجوده واستمراره سيكون شيئا نظريا لا اثر له في الفكر والنفس والواقع ما لم يتحول الى مؤسسات وسياسات واجراءات ادارية ومشاريع تنموية تبدأ وتتوسع لتصل الى أضيق دائرة في حياة الدولة والمجتمع.

وعلى رأس تلك القائمة وما ينبغي ان ينعكس عليها ويتجلى من خلالها الدستور والقانون مبدأي «الحرية والمساواة» واللذين لا معنى للدولة والحكومة والمجتمع من دون وجودهما وتحققهما بين جميع أفراد الشعب وسائر المواطنين على حد سواء فان من دونهما لن يجد احد من أفراد الشعب معنى للدولة او الحكومة او الدستور والقانون وهل كل ذلك انما فرضته الحاجة والضرورة لتحقيق القدر اللازم من كل ما يحتاج اليه البشر في حياتهم الانسانية الكريمة؟ وهل يمكن تصور حياة إنسانية كريمة من دون حرية او مساواة؟ بل ان تصور ذلك من دون وجود حقيقي لكل من الحرية والمساواة انما هو ضرب من المستحيل؟ وأمر لا يكون أبدا!.

اما أعداء كلٍّ من الحرية والمساواة فهي العصبية بجميع آشكالها كالعنصرية والطائفية والإقليمية والعشائرية وما أشبه وما ابتليتْ حكومة او أمة او دولة أوشعب بشيء من ذلك الا وفُقدت فيها الحرية وانعدمت فيها المواساة وهو ما سيعرض الامن برمته الى الاهتزاز والانهيار نتيجة الشعور العميق بالكبت وفقدان العدالة.

ثالثا: الوقوف بقوة في وجه كل الجهات المحرضة على ثقافة العنف

الامن وثقافة التحريض على العنف حالتان لا يمكن بحال ان يجتمعا على ارض واحدة فهما من حيث المؤديات أشبه شيء بالنقيضين اللذين لا يجتمعان في محل واحد ولا يرتفعان! من هنا يتضح لكل احد مدى خطورة نشر وانتشار ثقافة التحريض على العنف من اي منطلق كان ولأي غاية كَانت ذلك لان التحريض على العنف يشحن النفوس ويهيج القلوب ويخلق المبررات الفكرية والسلوكية التي ستنتهي لا محالة الى هتك حرمة وكرامة المكونات المتنوعة التي تشكل اطياف المجتمع والامة والدولة مما سيفجر ذلك دوامة من الأفعال وردود الأفعال المطردة هنا وهناك وهو ما سينتهي بالامن الى الانهيار والاستقرار الى الدمار تماما كما رأيناه في تاريخ الامم والدول والمجتمعات التي انتشرت فيها روح الطائفية او القومية او العرقية وما أشبه وكيف أدى ذلك بتلك الشعوب الى الاختلاف والتنازع والاحتراب فخسرت بذلك اهم مقومات الحياة الآمنة الكريمة ودفعت بسبب ذلك أثمانا غالية بل لا تقدر بثمن في الأرواح والاموال والممتلكات! وبالتالي بدلا من ان تسير تلك الشعوب والامم باتجاه حركة التاريخ أخذت تتراجع وتسير باتجاه معاكس لحركة التاريخ والتقدم والازدهار.

وليس من سبيل لمنع او إيقاف او الوقوف في وجه التحريض على العنف الذي يهدد الأمن والاستقرار الا بمنع او استبدال ثقافة التحريض على العنف بثقافة التعارف والتعايش على قاعدة «الناس صنفان اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق» ونبذ روح الكراهية وتجريم كل من يعمل على النقيض من ذلك.

رابعا: ممارسة النقد والإصلاح والتغيير ضمن إطار الدستور والقانون

مهما بدت فرص الإصلاح والتغيير قليلة او ضيقة دوائرها في اي دولة كانت او مجتمع او أمة لسبب او آخر الا ان الفرص المتاحة لممارسة ذلك في كل زمان ومكان وفي كل الظروف حتى الحالك منها والمعقد تبقى كثيرة ومتنوعة متى ما أحسن المتطلعون الى لعب تلك الأدوار والراغبون فيها قراءةَ الواقع القائم وعملوا على وضع الخطط والاستراتيجيات الملائمة وتحلوا بالعقل والحكمة والصبر والأناة.. مع التأكيد على ان تكون جميع محاولاتهم الإصلاحية والتتغييرية تلك ضمن إطار الدستور والقانون وما يتناسب وطبيعة الظروف وحساسيتها وهو الامر الذي سيكفل للعمل وكل ما يتعلق به المشروعية وبالتالي الديمومة والاستمرارية من دون ان يواجه اي مبررات او ذرائع لمواجهته او عرقلته او منعه او توجيه الاتهام الى القائمين عليه بأنهم خارجون على القانون وأنهم مثيرو للفتنة وان أعمالهم ومساعيهم تتضارب والمصلحة العامة بل أضف الى أهمية كل ذلك متى ما كان العمل الاصلاحي يتحرك ضمن إطار القانون فانه غير أنه سيكون آمنا من كل عوامل المنع والاجهاض سيكون سببا لترسيخ الامن والاستقرار خلافا فيما لو كان هذا العمل الاصلاحي يتحرك خارج الاطار الشرعي والقانوني «الرسمي» فانه سيكون سببا للإثارة والتوتر وباعثا على الخوف والقلق رسميا وشعبيا وهو ما قد يشكل عنصرا من عناصر المواجهة والتصعيد والصدام.

ان الحكمة والعقل والمصلحة والشرع كلها مجتمعة تؤكد على أهمية ان يكون العمل الاصلاحي والتغييري متى ما لزم وجوده في الدولة او المجتمع اوالامة ضمن إطار القانون الرسمي وهو ما سيجعله آمنا في نفسه من جهة وسببا من أسباب وجود الامن والاستقرار من جهة اخرى وهكذا يكون التقيد بالنظام والقوانين دعامة من دعائم الأمن واستقراره بشكل راسخ وقوي.

وهذا امر ينبغي ان يشمل كافة القضايا والمشاكل والهموم من دون فرق بين شيء منها كبيرا كان او صغيرا خطيرا كان منها او حقيرا فان الفرص من الكثرة والسعة ما يمكنها من استيعاب كل ذلك «الجهود والمساعي» من دون استثناء متى ما كان ثمة نظر وحسن اختيار للاهداف والأولويات والاليات.

خامسا: تغليب المصلحة العامة على المصالح الجزئية

إن كل أفراد المجتمع والدولة والامة مسؤولون عن مسيرهم ومصيرهم كل بقدره وحسب امكانياته وسعة علمه وما يمكن ان يُحسنه فالمسؤولية واحدة ومشتركة والكل معني بتحملها وأدائها على اكمل وجه وهو الامر الذي يؤكد على ان المصلحة العامة واحدة ومشتركة وان الكل من دون استثناء مسؤول عن تحقيقها والمحافظة على بقائها واستمرارها وهذا يستلزم ان تكون في المجتمع او الدولة او الأمة ارادة واحدة متضامنة تعمل على تحمل تلك المسؤولية وتحقيق تلك المصلحة من خلال ما يراه الكل او الأكثرية بالأصالة او الوكالة من رؤية وموقف ازاء عموم الهموم والقضايا ذات الصبغة العامة المشتركة والمؤثرة في تداعياتها ومؤدياتها على الكل بما هو مجموع.

فالمصلحة العامة ينبغي ان تكون هي الضابطة في تحديد المنطلقات ورسم الأهداف وبالتالي اتخاذ المواقف وهو ما سيلعب دورا كبيرا بل سيكون ضمانة في المحافظة على الامن والاستقرار بعد ان يسد جميع الأبواب او يقلص من عددها في وجه كل التصرفات الفردية او المحدودة التي ربما لا ترى ابعد من المصالح الشخصية او المحدودة التي قد لا ترقى الى تلك المصلحة العامة التي يتطلع اليها الأكثرية.

من هنا تأتي أهمية استحضار هذه الحقيقة الكبرى «تغليب المصلحة العامة» كلما أراد فرد او مجموعة التحرك او العمل بعنوان الإصلاح او التغيير او المطالبة بالحقوق وهو ما سيجعل حركة الجهود والمساعي في سياقها السليم واتجاهها الصحيح بعيدا عن الحماس المفرط وضيق الأفق وردات الأفعال غير المدروسة وبالتالي الابتعاد كل البعد عن كل ما من شأنه ان يتهدد الامن والاستقرار اللذين عليهما تدور الحياة وبهما تقوم وتتكامل.

القطيف