آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

ثقافة الإصلاح أولا!

خُلِقَ الكون على قاعدة «وكل شيء عنده بمقدار» و«وما ننزله الا بقدر معلوم» وهو ما يدل على ان الكون الرحب الفسيح المترامي الأطراف محكوم بقانون واحد عام تنتظم فيه سائر القوانين وتندرج تحته جميع النواميس من اصغر شيء وهي الذرة الى اكبر شيء وهي المجرة وليس ذلك القانون العام الواحد المطرد الا ما قد عبر عنه «بقانون السببية» وهو من البديهيات التي لا تحتاج الى استدلال او برهان اذ ان كل احد يدرك بالوجدان انه لا حدث بلا محدث ولا اثر بلا مؤثر وهو تعبير اخر عن انه لا مسبب بلا سبب وهو قانون السببية في مجمله.

ان الالتفات لقانون السببية واستحضاره في النظر الى الطبيعة والتاريخ والمجتمع والتشريع من شأنه ان يهدينا الى ان يجعل نظرتنا الى الحقائق والاحداث والتوقعات اكثر توازنا ودقة وواقعية لما له من عظيم الأثر في هندسة التفكير وتحديد مسالكه ومنهجياته في مجال الكون والحياة والمجتمع كما ان الغفلة عن هذا القانون التكويني وما يمكن ان يكون له من امتدادات وانعكاسات على الفكر والواقع على حد سواء من شانه ان يجعلنا اكثر بعدا عن الموضوعية والواقعية اللذين يشكلان بدورهما اهم شروط المعرفة المنطقية والحياة الواقعية الفاعلة.

وتلك حقيقة جوهرية وأساسية ليس فقط فيما يتصل بعالم التكوين وما يتصل بالأشياء في تسخيرها وتوظيفها وتحويلها الى لبنات في بناء صرح المدنية والحضارة بل ان ذلك في عموم اطراده يشمل عوالم:

- التاريخ في حركته العامة حيث تنتظم فيه الأحداث المتفاعلة لتكشف عما وراءها من سنن وقوانين لو أحسن البشر فهمها وتطبيقها لكان اقدر على استشراف المستقبل وتصحيح المسار.

- التشريع خصوصا الالهي منه لما فيه من تطابق مع مقتضيات الفطرة وحاجات المجتمع واستحضاره للمستقبل ومتطلباته من خلال مرونته وقدرته على مواكبة تحولات الزمن واختلاف الاماكن والاحوال.

ان ادراك حقيقة قانون السببية بسعة هذه الدائرة التي ألمحنا الى آفاقها وانه لا يقتصر فقط في جريانه على عالم التكوين والتصرف في الأشياء... يمكن ان يتحول في وعي المجتمع والامة الى اهم عوامل الرشد الفكري في حياتها لما له من عظيم الأثر في رؤيتها وموقفها من الأفكار والاحداث والأشخاص وما يشتمل كل عنصر منها على إمكانيات الفعل والتأثير ايجابا كان ذلك او سلبا على عموم الحركة المدنية والحضارية في الحياة.

لكن ذلك الوعي والرشد اللذين يتوقف عليهما تفعيل قانون السببية في اي مجال كان من مجالات الحياة يتوقف على حسن الاختيار للثقافة فيما هي عليه من مكونات لترسم خارطة الحركة فعلا او ردة فعل تجاه قضايا الحياة وهمومها ومن دون تلك الثقافة المناسبة سيبقى قانون السببية شيئا معطلا ولن يؤثر أثره ايجابا فيما يُرغب فيه او يُرغب عنه وذلك لأنه لا توجد حركة فردية كانت او اجتماعية الا وهي محتاجة الى فكرة ومعرفة وهو ما يمكن ان تعبر عنه وتوفره الثقافة في مفهومها الإنساني المنظم والموجه لفعل الانسان وحركته ونشاطه.

قال الامام علي ع: «يا كميل ما من حركة الا وانت محتاج فيها الى فكرة» يعني نظرا يولد فكرة ومعرفة على ما يظهر.

وما عملية الإصلاح التي يقوم بها الانسان منفردا او مع الآخرين ضمن اي دائرة من دوائر الحياة لإعادة الأمور الى نصابها بعد ان خرجت او ابتعدت او انحرفت عن مقصدها او مسارها - أقول: ان عملية الإصلاح تلك انما هي جزء من معادلة قانون السببية العام وبالتالي فإنها ما لم تنتظم في مجمل ما هي عليه من عناصر بذلك القانون فلن يكون حظها من كل ما يبدله القائمون عليها من مساعٍ وجهود الا الاخفاق الكبير.

ان عملية الإصلاح في اي دائرة «دينية او اجتماعية او فكرية او سياسية» تحركت لن تتمكن من تحقيق شيء من أهدافها المنشودة او تطلعاتها التي تصبوا اليها الا اذا قامت في كل ما يتصل بها على أسس قوية ومتينة من الواقعية المنبثقة من قانون السببية المحكم والمهيمن كحقيقة تكوينية صارمة على الكون والحياة.

والاصلاح بدوره يتطلب ثقافة خاصة تتناسب والمجال الذي يشكل دائرة توجهه وحركته وتطلعاته ليكون عملا رشيدا وفعلا سديدا يمكن ان يصل الى أهدافه المرجوة في اقل جهد وأقصر مدة.

ولا يخفى أهمية وحساسية بل وخطورة عملية الاصلاح في اي مجال كانت حركته لما هو معلوم بحسب طبائع الأشياء وواقع الحياة بان ارجاع شيء الى مكانه بعد خروجه عنه او ابتعاده او انحرافه غالبا ما تقف أمامه موانع او ممانعات او منزلقات قد تحول بينه وبين ان يكون او ان يتقدم او ان يصل الى أهدافه ونتائجه المرجوة.

ولا سبيل الى رفع كل ذلك او الالتفاف عليه او تخفيفه الا بإجراءات معينة وهامة على رأسها ومعها على الدوام حسن انتخاب الثقافة التي ستلعب دورا في رسم خارطة الطريق للعملية الإصلاحية.

فما هي ثقافة الإصلاح في المجال الاجتماعي والسياسي؟ وما هي اهم مكوناتها وملامحها العامة؟

وبكلمة اجمع للمعنى وادق: ما هي المحددات لثقافة الاصلاح؟

محددات ثقافة الاصلاح

اولا: التحرك ضمن الإطار الشرعي

بان تكون عملية الاصلاح برمتها وفي اي مجال كانت او اتجاه تحركت مقيدةً بشكل كامل في منطلقاتها وأهدافها وآلياتها بالحدود الشرعية في مستوييها «الأولي والثانوي» يعني في كلٍّ من حالتي كون الظروف طبيعية كما هو الحال بالنسبة للقسم الاول من الأحكام «الأولية» او كانت الظروف استثنائية محكومة بحالات كالضرر والحرج والعسر والمشقة وما أشبه كما هو الحال بالنسبة للقسم الثاني من الأحكام «الثانوية».

قال تعالى: «وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ» وفي الحديث النبوي: «حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرام محمد حرام الى يوم القيامة».

ولان الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد والحكم فان التقيد بها بدقة من قبل القائمين على عملية الاصلاح سيجعلهم بلا ريب اقرب الى ما يتطلعون اليه من أهداف مشروعة ومصالح راجحة.

كما انه لا فرق في كل ذلك بين كون عملية الاصلاح دينية او دنيوية فكرية كانت او اجتماعية او سياسية كانت في بلاد المسلمين ودار الاسلام ام لم تكن وكانت في بلد غير إسلامي بل ولا فرق في كل ذلك بين كون القائمين على عملية الاصلاح مسلمين او غير مسلمين فيما اذا كانوا يعيشون في بلد إسلامي ويدار من قبل حكومة إسلامية فان مبدأ لزوم التقيد بشرائع الاسلام في الاصلاح والتغيير هو مبدأ واحد مفهوما ومصداقا من دون اي تفاوت فيه والمصلحة هي المصلحة.

اما اذا لم يكن المكان تابعا لدار الاسلام كما هو الحال في البلاد الأجنبية فان عملية الاصلاح بجميع اشكالها غير انها ملزمة بقوانين النظام السائد فيها على الكل فإنها «عملية الاصلاح» كذلك بالنسبة للمسلمين المقيمين او اللاجئين مقيدة بحكم الاسلام بلزوم التقيد بالنظام المعمول به في تلك البلدان وان مخالفتها امر لا يجوز شرعا ويعد حراما اما بالحكم الأولي او الحكم الثانوي.

وهكذا نستنتج بانه ليس ثمة عملية اصلاحية يمكن ان يقوم بها احد من المسلمين في اي مكان كان من العالم من دون ان تكون مقيدة في كل ما يتصل بها بشرائع الاسلام ومبادئه وأخلاقياته.

ثانيا: التحرك ضمن الإطار الحقوقي

باعتباره خيرَ عنوانٍ يمكنه ان يجمع كل ما يمكن ان يُتصور من مطالب مشروعة تنطلق من اجلها وتعمل لها اي عملية إصلاح رشيدة تهدف الى تحقيق الحق وإقامة العدل وارجاع الأمور الى موازينها الطبيعية والقانونية والشرعية.

وهذا ما يتطلب ابتداء إحاطة عميقة وشاملة ودقيقة بكل الحقوق المشروعة التي ينبغي ان تكون متوفرة بشكل ضروري للإنسان في حياته الفردية والاجتماعية وهو ما يمكن ان يتحقق من خلال النظر في النصوص الاسلامية المرتبطة بهذا الشأن «كرسالة الحقوق للأمام السجاد ع» وكذا من خلال الاطلاع على القانون الدولي ولوائح حقوق الانسان وما بينته وحددته دساتير الدول ومنظمات الحقوقية عالميا واقليميا ومحليا فإنها جميعا تصلح الى ان تكون مراجع في هذا الباب الهام.

ان تحرك عملية الاصلاح ضمن إطار حقوق الانسان مطالبة ومدافعة من شأنه ان يؤكد مشروعيتها ويعزز قوة تأثيرها ويضمن لها الاستمرارية كما انه سيستقطب لها المؤيدين والداعمين بل والمدافعين ليس فقط محليا بل وعالميا لما يشكله هذا العنوان من قاسم مشترك بين جميع عمليات الاصلاح والمنظمات والهيئات المطالبة والمدافعة عن حقوق الانسان.

بل ان هذا الإطار سيزداد أهمية وقوة على التأثير في العمل الاصلاحي فيما اذا تمكن القائمون عليه من ان يمدوا جسور التعارف والتفاهم والتعاون مع اكبر قدر من المنظمات والهيئات المهتمة بحقوق الانسان والدفاع عنها والمطالبة بها والاستعداد للتعاون مع كل من يحمل هذا الشعار ويعمل لأجله في اي بلد من بلدان العالم.

ان التحرك ضمن إطار حقوق الانسان سيجعل العمل الاصلاحي ذَا منطق من القوة بمكان لا يمكن لأحد «حتى اعتى الدول دكتاتورية» الوقوف في وجهه او رده او التشكيك فيه وهو ما سيجعل له الغلبة في اخر المطاف على نحو التأكيد.

ثالثا: التحرك ضمن الإطار السلمي

لو لم تكن الا مقاصد عملية الاصلاح الرشيدة نفسها لكفى بها دليلاً على ضرورة الالتزام بمبدأ السلم وارجحيته المطلقة في كل عملية إصلاح تهدف الى تقويم الأوضاع ومعالجة الانحراف وتسوية الأحوال في المجتمع والدولة والامة. وهو ما يكشف لك عن حكم العقل والعقلاء في ذلك فضلا عن حكم الأديان الإلهية ولا سيما الدين الاسلامي وشرائعه السمحاء.

ان سلمية عملية الاصلاح مهما كان حجمها وفي اي كان اتجاهها وضمن اي إطار كانت سيجعلها اكثر قربا للنفوس واقوى حجة في الاقناع وأسرع انتشارا وأعمق تجذرا وأقرب لبلوغ الأهداف منها فيما لو لم تكن كذلك.. فان تجارب التاريخ والحاضر قد أكدت بما لا مجال معه للشك بان الحركات والتنظيمات والعمليات الإصلاحية التي اتخذت من العنف منهجا ووسيلة كانت ابعد من النفوس وأقرب الى الاخفاق والفشل والهزيمة وبالتالي اقصر عمرا.

لذا ليس من الصدفة ان يكون الاسلام دين السلم والسلام بكل امتياز وانه هكذا بدأ وهكذا كان وبهذا انتصر وانتشر وان ما كان يشاع عنه من انه انتصر بالسيف لم يكن الا اكذوبة مضللة للوقوف في وجه توسعه وانتشاره السريع في مختلف مناطق وبلدان العالم.

ان المنهج الاسلامي في الاصلاح انما هو قائم على التذكير والتبليغ من دون اكراه ولا عنف ولا اجبار ومن يقل غير ذلك لم يفهم الف باء ما عليه الاسلام من مقاصد وغايات.

ان منهج السلم في الاصلاح هو منهج كل الأنبياء في الرسالات الهية وهو منهج الدين الاسلامي وهو منهج كل العقلاء واصحاب الفكر السوي والنظر البعيد.

من هنا لا ينبغي للعامين في المجال الاصلاحي ضمن اي موقع كانوا ان يستبدلوا بمنهج السلم غيره مهما كانت الظروف المحيطة بهم صعبة او قاسية او شديدة بل ينبغي ان يكونوا على حذر من كل محاولات الاستدراج التي تهدف استفزازهم لترك هذا المنهج للانخراط في دوامة من العنف العقيم الذي لن يكون عليهم وعلى الأمة الا حربَ استنزافٍ للطاقات والامكانيات التي لا ينبغي ان تصب الا في مجال البناء لا الهدم وان العنف غير المبرر شرعا وعقلا انما هو هدم ودمار بلا ريب.

رابعا: التحرك ضمن إطار الاولويات

لن تكون ثقافة الاصلاح بجملتها متكاملة وفاعلة بحيث يمكنها ان تؤدي وظيفتها المطلوبة في ترشيد عملية الاصلاح وتوجيهها باتجاه ما تتطلع اليه من أهداف ومقاصد الا اذا كانت قائمة على قاعدة الأهم ثم المهم في التخطيط والتنفيذ على حد سواء ومن دون مراعاة سلم الاولويات هذا ستكون عملية الاصلاح في المجتمع والدولة والامة عرضة للتعثر والإخفاق ولو على المدى البعيد اذ ان معرفة الاولويات يجعل مسيرة العمل الاصلاحي اكثر دقة وعمقا وتنظيما بل ويجعله على هدى في خطاه ومتوازنا بين النظرية والممارسة وهو ما سيكون له بالغ الأثر على فاعليته وتركيزه وتقدمه نحو الأهداف المنشودة بخطى اكثر ثقة وثباتا.

ان الاولويات لها جانبان فيما يمكن ان تدل عليه: فمن جهة انها تعكس ما عليه العمل الاصلاحي من «استراتيجية» واضحة المعالم ومن جهة ثانية انها تجعل من دائرة «التكتيكات» والآليات اكثر وضوحا وفي ذلك كله وضوح للحدود الفاصلة بينهما على طول خط العمل الاصلاحي وهو ما لا ينبغي الغفلة عنه بحال من الأحوال.

أضف الى ذلك ان وضوح الاولويات يجعل العمل الاصلاحي اكثر وعيا لمجرياته وأكثر استيعابا لكل مرحلة من المراحل التي يمكن ان يمر بها وهو ما سيحصنه من حالات الحيرة والتردد والاستدراج بل ويجنب القائمين عليه من ان ينصدموا او ان يتفاجأوا بمستجدات الأحداث ومنعطفاتها الحادة.

علما بان برمجة الاولويات والالتزام بها لن يكون متكاملا نظريا ومجديا عمليا لا بمعرفة الزمان من خلال ما هو عليه من احداث ووقائع وتطورات ومستجدات متحركة في ساحة العمل الاصلاحي كل ذلك لمدخلية معرفة الظروف الموضوعية القائمة في تكاملية التخطيط ودقة الممارسة وتنظيمها على النحو الأفضل.

وخلاصة الكلام من أوله الى اخره:

ان الحياة محكومة بقوانين يجمعها قانون السببية العام وان نتائج الاعمال ومقدماتها انما هي انعكاس لفعالية ذلك القانون وحاكميته وان حلقة الوصل في ذلك كله انما هي المعرفة «الفكرة - الثقافة» وما العمل الاصلاحي الا احد تلك المصاديق لتلك الكبرى «القاعدة - القانون - السنة» وانه لن يكون كما ينبغي ولن ينتهي الى نتائجه المطلوبة الا اذا كان مؤطرا بهدى من الثقافة المناسبة التي تجعل منه حركة واعية ومنظمة وفاعلة تسير به حثيثا نحو أهدافه المنشودة.

القطيف