آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 5:19 م

في ضرورة تعزيز قيم التآخي والحوار

ابراهيم الزاكي

العابثون بأمن الأوطان لا همّ لهم إلا إيقاد نار الأحقاد بين الناس وتفريق شملهم، وخصوصاً في المجتمعات المتعددة، حيث يستغل هؤلاء التنوع الديني، أو المذهبي، أو العرقي، من أجل زرع الفتن الدينية والطائفية، والنعرات القومية، وتأجيج الصراعات، ومفاقمة الأوضاع، والعبث بالنسيج الاجتماعي. فمن دون مثل هذه التوترات والصراعات يصعب على هؤلاء تنفيذ مخططاتهم الشريرة، والعبث بأمن البلاد والعباد، والنيل من وحدة الأوطان، وتمزيق لحمتها الوطنية، والإخلال بنسيجها الاجتماعي.

ولن يكون ممكناً صد هؤلاء العابثين، ورد كيدهم، وعزلهم، من دون وحدة أبناء الوطن الواحد وتعاضدهم، ووقوفهم صفاً واحداً متلاحمين أمام محاولات العبث بأمنهم، وتفريق صفوفهم، وضرب وحدتهم، وتفكيك نسيجهم الاجتماعي. ففي زمن انتشار الفتن، والصراعات، والتقاتل، وانتشار خطاب الكراهية والتحريض، فإن صيانة وحدة الأوطان، والذود عن ترابها، والحفاظ على نسيجها المجتمعي من الاختلال، يتطلب تحصين المجتمعات من الداخل لمنع انزلاقها إلى الفوضى التي تنتشر في كل مكان، وحمايتها من تمدد النيران المستعرة في المحيط، كي تظل الأوطان دار أمن وأمان، وواحة رخاء واستقرار، ينعم جميع أهلها بالسلام والحرية والتلاحم، وذلك من خلال تعزيز قيم التآخي، ونشر ثقافة التسامح والتعايش والعيش المشترك والاحترام المتبادل بين أبناء الوطن، وتجسيد هذه الأدبيات/المفاهيم على أرض الواقع قولاً وفعلاً وممارسةً.

إن التعايش بين الجماعات المختلفة في الوطن/المجتمع الواحد، وحماية نسيجه الداخلي، وصيانته من آفات التطرف والكراهية، والتجاذبات الطائفية والعرقية، يتطلب القبول بحقيقة التعدد والتنوع، وقبول كل منها بالآخر المختلف عنها، واحترام رأيه، وطرق تفكيره، وسلوكه، وآرائه، ومعتقداته الدينية، بعيداً عن التسلط، والآحادية، والقهر، والعنف، كون الجميع يشتركون في العيش على أرض واحدة، ولهم وجود مشترك، وينتمون إلى هوية شاملة، وثقافة جامعة مشتركة، ويفترض أن يكونوا أمام تحديات مشتركة، وأن يواجهوا مصيراً مشتركاً.

إحياء ثقافة العيش المشترك في المجتمعات المتعددة والمتنوعة، وتجسير الفجوة بين مكوناتها، تتجسد من خلال علاقات التفاعل والتواصل والحوار بين فئات المجتمع المختلفة، وحسن إدارة اختلافاتها، وتجنب الخطابات الانفعالية والمتشنجة التي تؤجج الخلافات، وتزرع الشك والريبة، وتنمي حالات الغلو والتطرف، من أجل أن تتمكن هذه المجتمعات من تجاوز حالة التمزق والاحتقان، ووقف حالة التنازع والتحارب والنزاعات التدميرية بين مكوناتها، ومد الجسور بين بعضهم البعض، وفتح قنوات الحوار بين جميع الفئات، وإطفاء لهيب العنف، وإخماد جدوته، لأن الحوار هو البديل الأفضل لحالة الاقتتال والصراع والحروب والنزاعات التي تأكل الأخضر واليابس.

الدعوة للحوار والشراكة، والتشجيع على التواصل والتلاقي بين الناس، سواء كانوا أفراداً، أو جماعات، أو طوائف، لا يهدف إلى تنازل طرف عن أفكاره ومعتقداته، والانصهار في فكر الآخر ومعتقداته، وإنما يهدف إلى تجسير الفجوة بينهم، ومد الجسور بين بعضهم البعض، وتجاوز حالة التمزق والاحتقان، ونبذ الفرقة وتحقيق الوحدة، والتصدي للتحديات والقضايا المشتركة، وتحجيم الأفكار الداعية إلى التمزق والتحارب، وتعزيز قيم التعدد والشراكة، وإفشال كل فكر يشجع التعصب المقيت، بعيداً عن الاستبداد بالرأي، والوصاية على الآخرين وأفكارهم.

على أن من أهم مقومات ثقافة الحوار، هو الإصغاء للآخر المختلف، أو المخالف، وحسن الظن به، وتجنُّب التشكيك في معتقده، بعيداً عن أحكام التخوين والتكفير، فمن خلال التواصل والتلاقي والجلوس إلى طاولة الحوار يمكن معرفة الآخر مباشرة، وما يمتلكه من أفكار ورؤى ومعتقدات، لا عن طريق طرف ثالث غير مؤهل، أو قد لا يكون حسن النية، فمن خلال التواصل والحوار المباشر يمكن توسيع مساحة الاتفاق، وتضييق مساحة الخلاف، وتلمس الأعذار عند الاختلاف، للمخالف والمختلف.