آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

في رحاب المرجعية الدينية

تمتد الحاجة الى الدين لتضرب بجذورها في اعماق الذات البشرية حيث الروح والعقل والنفس ومن هنا كان الدين حاجة روحية عقلية نفسية حياتية وبالتالي فان حياة من دون دين تعني فراغا روحيا وارباكا عقليا واضطرابا نفسيا وفوضى حياتية وان تغلفت بقشرة الحضارة وبدت شامخة! لذلك بُعِث الانبياء واُرسِل الرسلُ وانزلت الكتب لتحقيق نعمة الدين التي لا كمالَ لنعمةٍ من دون وجودها في حياة البشر.

وهذا في جملته مما لا يكاد يختلف فيه اثنان. ولان حركة السماء في تبشيرها بالدين الالهي انتهت الى «الدين المحمدي» الذي انزل على قلب اشرف الانبياء وخاتمهم محمد ﷺ. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا [المائدة: 3] لذلك فهو «الدين العالمي» الجدير بقيادة الحياة وادارتها على الوجه الاكمل.

ولكن ذلك من الناحية الفعلية «ليقود الدينُ الحياةَ» يتوقف على خطوتينِ مهمتينِ بشكل اساسي:

الاولى: فهمه كما اراد الله تعالى للإنسان ان يفهمه بعيدا عن الاهواء العاصفة والآراء المبتدعة.

الثاني: الالتزام الكامل بكافة تعاليمه في العقيدة والشريعة باعتبار ان ما ينظم الحياةَ الداخلية «اعمال الجوانح» هي العقيدة وان ما ينظم الحياةَ الخارجية «اعمال الجوارح» هي الشريعة وما يزيد على ذلك وما ينبثق منه «القيم والاخلاق» فهو رهين الالتزام بالأمرين معا.

ولكن النقطة الاهم هي من الذي بيده تفسير الدين فهما وتفهيما؟.

وهل لابد من ان يكون للدين مُفسِّر؟

ان حقيقة بعث الانبياء وانزال الكتب عليهم بإمكانها الاجابة الى السؤالين معا، لان حقيقة بعثهم بالكتب تؤكد عدم كفاية احدهما دون الاخر فلا كتاب بلا مُفسِّر له ولا نبي بلا كتاب «وحي» يكون معه. قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الجمعة 2]. اذاً لا بد من وحي الهي ولابدّ من مُفسِّر له.

ولكن ماذا بعد زمن الانبياء والاوصياء من بعدهم؟ بعهدة من ينبغي ان تكون المهمة؟ وماذا عن هذه الأمة؟

والجواب: بيد أهل الخبرة في فهم الدين نصوصا وقواعد وغايات ومقاصد... يعني بيد الفقهاء المؤهلين لفهم الدين وتفهيمه. وهو ما عليه العقلاء والمتشرعة في سيرتهم وارتكازاتهم من رجوع الجاهل الى العالم وهذا هو عمدة الأدلة في هذا المجال.

والدين وان كان اعم من الشريعة وهي اخص منه الا ان المرجعية في فهم الامرين «الدين - الشريعة» هي مرجعية واحدة فيما ينبغي ان تكون عليه تلك المرجعية من مؤهلات الفهم والاجتهاد والاستنباط والتفسير.

اذا الجهة العلمية المعتبرة لفهم الدين فهما معتبرا بحيث يلزم او يجوز التعبد به او العمل انما هم «الفقهاء العدول» الجامعون لشرائط الاجتهاد والتقليد دون سواهم من ابناء الامة.

وهم وان كانوا كسائر أبناء الأمة من حيث لزوم الالتزام بالدين «قاعدة الاشتراك» وما يشتمل عليه من تعاليم وتوجيهات وحدود الا انهم باعتبار ما يملكونه من مؤهلات علمية «اجتهاد» وشرعية «عدالة» تكون مسؤولياتهم الدينية اعظم ودورهم الحياتي اكبر!.

ويمكن اجمال المسؤوليات «الخاصة والمشتركة» الملقاة على كاهلهم فيما يلي:

1/ الاستنباط: استنباط الاحكام الشرعية من ادلتها الاساسية.

2/ الفتيا: الاجابة على اسئلة المستفتين.

3 / القضاء: حل المنازعات وفك الخصومات.

4/ بيان حقائق الدين وكشف الاباطيل المنسوبة اليه.

5/ الدفاع عن الحق ومواجهة اهل الباطل.

6/ المحافظة على المقدسات من ان تنتهك.

7/ بيان الاصيل من الدخيل في الدين.

8/ الوقوف في وجه الشبهات والمغرضين للدين.

9/ تقوية المعاهد الدينية «الحوزات» والمحافظة على استقلالها.

10/ الوقوف في وجه الاعتداء الاجنبي على المقدسات والاوطان والثروات.

11/ تطوير اليات الاجتهاد وتقوية اصوله وقواعده بالمزيد من التجديد العلمي.

12/ ارفاد ساحات الامة بالعلماء المبلغين والوعاظ والمرشدين.

13/ توظيف الحقوق الشرعية «المالية» لصالح تقوية الدين والعلم والامة.

وكل ذلك ضمن اطار «الحدود الشرعية والاهم والمهم والمصلحة الاسلامية» بعيدا قدر الامكان عن الاهواء الشخصية والحالات الكيفية.

وهذا كله ليؤكد للأمة بان «المرجعية الدينية» هي الضمانة للمحافظة على الدين والامة من التحريف والانحراف والضياع ومصادرة الحقوق وانتهاك المقدسات.

واما من الناحية العملية «الادارية» فيلاحظ على المرجعية بشكل عام انها تتمسك بما يلي:

- شبكة واسعة من الوكلاء المنتشرين في مختلف الدول والامة على امتداد العالم حيث يشكلون حلقات الوصل بين المرجع وابناء الامة من المؤمنين.

- الرجوع الى اهل الخبرة في الامور الحياتية المهمة والقضايا العظيمة والخطيرة قبل البت فيها باعتبارها موضوعات «غير المنصوصة او المستنبطة» تترتب عليها احكام شرعية.

- التأكيد على ضرورة توظيف التقنيات الحديثة والتكنلوجيا لصالح العمل الديني والتوعية وايصال صوت الحق للعالم.

- الدعوة لتطوير وتجديد المعاهد الدينية في الشكل والمضمون بما يتناسب والمهمات الموكلة بها والتحديات القائمة.

- العمل على استرجاع الحقوق المستلبة من قبل اعداء الامة بكل الاساليب المشروعة.

- التشدد في مسألة نبذ العنف واعتماد الاساليب السلمية في الاصلاح والتغيير الا في حالات خاصة يرجع فيها مباشرة للفقيه ليبت فيها بعد رجوعه عادة لأهل الخبرة.

- الأناة في المواقف وردات الافعال وعدم التسرع في اتخاذ المواقف لاسيما في اجواء الفتن الطائفية والصراعات السياسية.

وفي الاخير: يجدر بِنَا التنويه الى ملاحظتين:

أ - ان ما دون «المرجعية الدينية» من جهات عاملة او اطراف ناشطة «افرادا ومؤسسات» في ميادين «الفكر والثقافة والسياسة والاجتماع» لن يكون لها شرعية الا ضمن الاطار العام الذي هي عليه «المرجعية الدينية» في النظر والموقف الشرعيينِ وبالتالي فان الخروج عن ذلك بشكل «مطلق» سينتهي الى مخالفة شرعية صريحة في كل الموارد التي يلزم فيها التقيد بالحدود الشرعية اجتهادا او تقليدا او احتياطا.

ب - وليعلم بان الطريق الى الفقاهة والاجتهاد والمرجعية مفتوح لكل من يجد في نفسه الاستعداد والاهلية لبلوغ تلك المرتبة العلمية ونيل درجة الاجتهاد والتصدي لشؤون المرجعية ولأنه طريق طويل وشائك ويحتاج الى جهد وجهاد واجتهاد وتأييد وتسديد لذلك كان الواصلون الى درجة الاجتهاد وموقع المرجعية في كل زمان هم اقل من القليل ولا يلقاها الا ذو حظ عظيم.

هذا وليعلم بان المرجعية الدينية الرشيدة ستبقى فوق كل المزايدات الانتهازية والأطر الضيقة مهما كان لونها او شكلها مما قد يطمع فيه اصحاب المصالح والانتهازيونَ والمستأكلون بالدين... وخير شاهد على كل ذلك تاريخها الجهادي الطويل الذي لم تتمكن أي قوة معاندة او مناوئة مهما بلغت في الجبروت والاستبداد والطغيان من ان تنال منها او توقفها او تحرفها عن قيامها بدورها الديني والحضاري في فقه الدين وحراسة الشريعة والمحافظة على المقدسات وصيانة المصالح الدينية والوطنية.

القطيف