آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 5:19 م

و«جودة» لا تقر لهم بذاكا

ناصر موسى الحسين جريدة لوسيل القطرية

الفساد وسوء الخدمات ثمرة طبيعية لإهمال الجودة

جربوا كتابة كلمة ”الجودة“ في محرك جوجل واتركوا باقي المهمة له إذ لا ينبؤك مثل خبير، فسيفاجئك هذا المحرك العجيب بوجود أكثر من مليون و200 ألف عنوان. لا تجربوا كلمة ”جودة“ بمفردها فهي ستضيف 9 ملايين عنوان، وبكل تأكيد فإن أعداد هذه العناوين لا تعكس بالضرورة ما نبحث عنه، فلربما أحد سمى نفسه ”جودة“ بدلاً من ”جودت“ فنكون قد ظلمناه بسؤال نعجته إلى نعاجنا.

منذ زمن طويل ونحن نسمع عن الجودة كمفهوم نظري، وكادعاء بتطبيق له في القطاعين العام والخاص، غير أن هذه ”الجودة“ التي نسمع عنها وتنوء بها شبكة الإنترنت، لا نجد لها أثراً في واقعنا، بل بالعكس، فأينما نولي ثمة رداءة تلاحقنا، فالمنافسة الأجنبية كشفت عورة خدماتنا ومنتجاتنا.

ورغم أن التعاليم الدينية حثتنا باكراً على إتقان العمل وأعطت أهمية وقيمة عليا لمفهوم النوعية مقابل الكثرة المذمومة في معظم الأحايين. ورغم أن العقل والمنطق يدفعاننا نحو تجويد العمل والمنتج والخدمة، إلا أننا في العالمين العربي والإسلامي - مع استثناءات قليلة جداً - لا زلنا وللأسف الشديد متخلفين على هذا الصعيد.

لا يزال الكثير منا يعتقد بأن الاهتمام بالجودة وتطبيقاتها يكلفهم موارد مالية كبيرة، لذا فإن الحل في نظر هؤلاء هو التحايل على اشتراطاتها والتهرب من تطبيقاتها. هذا الفهم القديم للجودة يصطدم بالحقائق العلمية الجديدة التي تعطي الجودة دوراً مهماً في تقليل التكاليف المالية، وذلك عبر تطبيق الحلول المعرفية في الإدارة والاقتصاد. كما أن الإنتاجية تزداد بتطبيق الجودة وهو ما يؤكده ”وليام ديمنغ“ صاحب المبادئ الأربعة عشر لإدارة الجودة الشاملة.

كما أن النظر إلى النجاح من خلال تصنيع منتجات بشكل أسرع وأرخص هو مفهوم قديم في الإدارة، حل محله ما عبّر عنه الرئيس الأسبق للأكاديمية الدولية للجودة ”فايجونباوم“ بأن ”تصنيع المنتجات بشكل أفضل هو الطريق الأمثل إلى تصنيعها بشكل أسرع وأرخص“.

إن الأجهزة الحكومية التي تعنى بالمواصفات والمقاييس وضبط الجودة ليست في وارد التأسيس للجودة، أو قيادة برنامج يعنى بزرع هذه الثقافة، فهي مهتمة بالضبط والكشف عن المنتجات ومراقبتها، أو ببث بعض المواد العلمية حول الموضوع، أو تأسيس جوائز في هذا المجال، أو عقد مؤتمرات بين حين آخر، وحتى على هذا المستوى لم تحقق نجاحاً يمكن الإشارة إليه ولا يمكن بهذه البرامج المحدودة الوصول إلى منظومة متكاملة في الجودة.

مخرجات التعليم لازالت دون الطموح، والخدمات الطبية تدفع بالكثير إلى السفر لتلقي العلاج في الخارج، والبيئة تستغيث من سلوك المجتمع والملوثات الصناعية، والطرق المهترئة قصة طويلة، والاتصالات مشغولة بشكاوى المستخدمين من بطء شبكة الانترنت، والناس تشتكي من سوء الخدمات والفساد الذي ينخر في معظم المؤسسات والشركات. هذه هي الثمرة الطبيعية لإهمال الجودة. رغم ذلك ينبري حالمون ليتحدثوا عن منافستنا للعالم في كل شيء، بما فيها جودة الطرق التي ”تنافس اليابان وأمريكا“ حسبما جاء في تصريح لأحد المسؤولين.

خلاصة القول:

الجودة ليست ترفاً، بل ركيزة أساسية لا غنى عنها في كل مجالات الحياة، ومن بينها التعليم والصناعة والتجارة والخدمات، وينبغي أن تتخذ حكومات دول المجلس قرارات على مستويات عليا للمضي بالجودة الشاملة إلى الأمام، فهي قضية تمس حياة الناس، على أن تبدأ من الموارد البشرية، فتخصيص موازنات لصياغة موارد بشرية مؤهلة بشكل جيد هو في قمة الأهمية ومن الأولويات التي يجب أن تلتزم بها حكومات دول المجلس، فهذا المصرف أولى من أي مصرف آخر، وهو أفضل مقدمة لبلوغ الجودة الشاملة.