آخر تحديث: 26 / 10 / 2021م - 7:33 ص

الفساد الاقتصادي

ناصر موسى الحسين صحيفة لوسيل القطرية

الحديث عن الفساد الاقتصادي متشعب على مستوى الأسباب والمظاهر والنتائج، فالرغبة في تحقيق المصلحة الذاتية دون اعتبار لمصلحة الآخرين قد يؤدي إلى الفساد، وسوء التخطيط الإداري يوفر بيئة خصبة لهذا الوباء، والاستئثار بالمنصب طريق نحو الفساد والإفساد بكافة مظاهره.

الظاهرة ليست خاصة بالعالم الثالث، ففي بلجيكا مثلاً يواجه بنك «يو بي إس» السويسري اتهامات بمساعدة المتهربين من الضرائب، وقد سبق أن تكبد مئات الملايين، من بينها 545 مليون دولار دفعها للولايات المتحدة الأمريكية في تسويات لقضايا مالية نتيجة الاحتيال والفساد.

وفي قمة مكافحة الفساد التي انعقدت في مايو الماضي في العاصمة البريطانية كشفت ورقة صندوق النقد الدولي عن خسائر بقيمة 1.5 تريليون إلى تريليوني دولار سنوياً في شكل رشى.

وقالت مديرة الصندوق إن «التكلفة الاقتصادية غير المباشرة ربما تكون أكبر وأكثر استنزافا». إحدى أهم القضايا المتعلقة بالفساد والتي تساهم في بقائه هي غياب الدراسات المتخصصة التي تتناول الظاهرة وتحدد أسبابها ومواقع كثافتها.

إن وجود دراسات ونشر نتائجها والتعاطي مع مخرجاتها بشفافية قضية غاية في الأهمية، وهي خطوة أوّلية تتطلب دعماً من السلطات العليا.

وهذه هي إحدى نقاط التمايز بين المجتمعات المتقدمة وعالمنا الثالث، فهناك يتوافر اهتمام كبير بالدراسات والأبحاث فيما لا تتوفر لدينا هذه الثقافة.

لمعالجة الفساد الاقتصادي نحن بحاجة إلى نوعين من المبادرات: النوع الأول إداري تنظيمي، ويتعلق بتطوير الأنظمة والأجهزة الرقابية، وتحقيق المساواة بين جميع مكونات المجتمع، واعتماد مبدأ الإفصاح والشفافية، فلا شيء يخيف المفسد أكثر من الرقابة، ولا شيء يتوجس منه اللص أكثر من الضوء.

أما الآخر فهو تربوي وأخلاقي، وفي هذا الإطار لابد من توافر عاملين: الأول يتمثل في الجانب المعرفي من خلال التوعية بخطورة الفساد والتعريف به وبأشكاله والحث على مكافحته، والآخر في الجانب النفسي بإشاعة الحب، حيث يؤدي الحب إلى الجودة، والجودة على طرف نقيض للفساد.

إن حب الناس والوطن والبيئة تعني بالضرورة الخوف على هذه المكونات، وبالتالي النظر بتوجس لكل سلوك مضر بما وبمن نحب.

لا شك أن التربية السليمة لها دور في ضبط السلوك، وتقويم الممارسات، لكنها ليست الحل الوحيد، خاصة في ظل الطبيعة البشرية التي وصفها القرآن الكريم بقوله تعالى: «إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي»، ولا ريب أن المشكلة تحتاج إلى جهود متنوعة الاتجاهات وعلى مختلف الأصعدة التربوية والتشريعية والرقابية والقضائية والتنفيذية.

الخلاصة: لا يختلف أحد في وجود الفساد الاقتصادي في دول المنطقة، وقد أدى إخفاق الأجهزة الرقابية على مدى سنوات طويلة إلى خسائر اقتصادية كبيرة، ناهيك عن الآثار السلبية الأخرى التي تمس الجوانب الأخلاقية والاجتماعية وتراجع حالة الثقة بين المجتمع والمؤسسات، والإضرار بالبيئة، ومن الضروري أن تولي دول المجلس اهتماماً بهذا الملف، خاصة مع الحاجة إلى السيولة المالية لمواجهة الأزمة الاقتصادية القائمة، ويجب أن تكون خطوات مكافحة الفساد مدعومة بقرار سياسي وبشفافية كافية.

كما أنه من الضروري الاهتمام بالتوعية وبنشر ثقافة المحبة بدلاً من ثقافة الكراهية التي تفسد كل البشر والحجر وتستنزف الموارد وتدمر المكتسبات.

إن الحب والوعي دواءان كما يعبر عنهما يوسف زيدان في كتابه «فقه الحب» بالقول: «لا دواء للنزعة التدميرية الدفينة في نفوس الناس إلا شيئان: الحب والمعرفة».