آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 5:19 م

التعليم والاقتصاد المستدام

ناصر موسى الحسين صحيفة لوسيل القطرية

يعد التعليم الرافعة الأساسية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتتسم علاقته بالاقتصاد بالتأثير المتبادر، فكلما نما الاقتصاد نمت معه الحاجة إلى التعليم، وكلما تقدم التعليم تقدمت معه التنمية الاقتصادية.

ويمكن تصور ارتباط التعليم بالاقتصاد من خلال تحسين المعرفة والمهارات العامة للمجتمع، وتوفير القدرة على الابتكار، ونقل المعارف والأفكار الجديدة.

والاهتمام بالتعليم لا يعني مضاعفة حصته في الموازنات السنوية فحسب، ولا مجرد تعديل المناهج، وإنما وضع إستراتيجية بعيدة المدى تأخذ في الاعتبار كل المؤثرات، بدءاً بالمناهج وانتهاء بالأساليب التعليمية الحديثة.

تعاني دول كثيرة من وجود إشكالية في العلاقة بين التعليم وسوق العمل «باعتباره النافذة الاقتصادية الأبرز التي يمكن من خلالها قياس مدى التأثير على الاقتصاد» إذ تبرز بين حين وآخر حاجة لتخصصات جديدة وفقاً للتغيرات التي تطرأ على السوق.

أمام مثل هذه الإشكالية تطرح مجموعة من الخيارات من أهمها:

الاعتماد على الحاجة الفعلية مع مراقبة التطورات وتعديل المتطلبات التعليمية بشكل دوري وفقاً للتغيرات في السوق.

تبني أسلوب مفتوح على كافة الاحتمالات بحيث يؤسس التعليم للقاعدة الأساسية، ويترك شأن التخصص للمؤسسات المشغلة للقوى العاملة، عبر الاعتماد على الدورات التدريبية المتوسطة أو الطويلة للتأهيل في المجالات المطلوبة.

التركيز على الدراسات المستقبلية التي تتنبأ بالتغيرات القادمة وتضع خططاً ومناهج تتواءم مع الاحتياجات المتوقعة المبنية على الدراسات.

يبدو أن الخيار الأخير هو الأصلح.

مع ذلك فالموضوع فيه من التعقيد ما يتطلب الكثير من التركيز والدقة، فالتعليم شأن إستراتيجي يستحق بذل الجهد، ومن شواهد التعقيد أن إحدى الدراسات التي أجريت على المجتمع والاقتصاد النيوزيلندي «وهو مجتمع متقدم تعليمياً» أشارت إلى أنه ورغم الاهتمام بالتعليم إلا أن مؤشرات إنتاجية العاملين في القطاعات الاقتصادية كانت منخفضة وأن الأسباب كانت متنوعة بين النمو السريع في أعداد القوى العاملة في فترة انخفاض المؤشر على حساب المهارة، والاعتماد بشكل كبير على العمالة الوافدة المهاجرة وبطء اندماجهم مع القوى العاملة المحلية، وتركز عدد كبير من القوى العاملة في الصناعات ذات القيمة المضافة المنخفضة، إضافة إلى انخفاض كثافة رأس المال وأسباب أخرى.

ربما يصعب تحديد معيار للعائد من الموارد المالية المخصصة للتعليم على الاقتصاد، ولكن من المؤكد أن التأثير كبير جداً، وربما يمكن الاسترشاد بمقدار تأثير البحث العلمي باعتباره ثمرة مباشرة للاهتمام بالتعليم، وفي هذا الصدد فإن أمريكا على سبيل المثال قدرت العائد من استثماراتها في البحث العلمي على الذرة الهجين بحوالي 700% خلال عام 1955.

ومن المفيد أيضاً إيجاد مقارنات بين نصيب الفرد من الدخل القومي وحصة التعليم في الموازنات، وربما تؤكد التجارب العالمية وجود هذه العلاقة السببية المباشرة بين الاهتمام بالتعليم والتنمية الاقتصادية، مع التأكيد على ضرورة الاهتمام بكفاءة تخصيص الميزانيات.

الخلاصة:

تشكل حاجة السوق للموارد البشرية تحدياً كبيراً يتسم بالتغيرات، ولتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة تنبغي دراسة المستقبل وتحديد معدلات النمو المتوقعة للقطاعات المختلفة المستهدفة، وتقدير الحاجة من الموارد البشرية لهذه القطاعات، ومن ثم تحديد المؤسسات التعليمية التي يمكن أن تساهم في رفد السوق بهذه الموارد البشرية وصياغة برامج تضمن توفير هذه الموارد.

فالتعليم يشكل رافعة ضرورية للاقتصاد، وهو استثمار حقيقي في المكون الرئيسي لكل نهضة.

ومن المفيد الاستفادة من المعرفة والتجربة البشرية المتراكمة عبر القرون الماضية ومن أبرزها التجربة الدنماركية واليابانية.