آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 5:19 م

مفهوم التعليم البنكي

ابراهيم الزاكي

تكمن أزمة التعليم في المجتمعات المتخلفة في أنها تعتمد على أسلوب التعليم التلقيني، القائم على وجود طرف حاك، أو ملقي، أو مرسل، وطرف آخر يقوم بدور المتلقي والمستمع، تنتهي بملئ عقول التلاميذ بكلام ومعلومات أفرغت من محتواها، ولا تثير، أو تستثير عقول هؤلاء التلاميذ المتلقين، أو المستقبلين لتلك المعلومات، حيث يقتصر دور الطلاب في هذه العملية على الحفظ والتذكر، وإعادة قراءة ما استمعوه، دون أن يتعمقوا في مضمونه، ليتحول الطلاب في هذه العملية التعليمية إلى مجرد بنوك تودع فيها المعلومات والبيانات.

ذلك هو المفهوم البنكي للتعليم، الذي تَحدَّدَ فيه دور الطالب كمستقبل للمعلومات، يملأ بها رأسه ويخزنها دون وعي، حيث يلفت باولو فرايري في كتاب تعليم المقهورين إلى أن أهم ما يميز التعليم التلقيني هو لهجته المتعالية، وعدم قدرته على إحداث التغيير، فالطلاب ينحصر دورهم في الحفظ والتذكر، وإعادة الجمل التي سمعوها دون أن يتعمقوا مضمونها. وليس من هدف لهذا التعليم التلقيني سوى تعويد الطلاب التذكر الميكانيكي لمحتوى الدرس، وتحويلهم إلى آنية فارغة يصب فيها المعلم كلماته الجوفاء.

وإذا ما ظل المعلم قادرا على القيام بهذه المهمة، كما يشرح باولو، عُدّ ذلك دليلا على كفائته، وإذا ما ظلت الأواني قادرة على الامتلاء، كان ذلك دليلا عل امتياز الطلاب. وهكذا يصبح التعليم ضربا من الايداع، يتحول الطلاب فيه إلى بنوك، يقوم الأساتذة فيها بدور المودعين، حيث لم يعد الأستاذ وسيلة من وسائل المعرفة والاتصال، بل أصبح مصدر بيانات، ومودع معلومات، ينتظره الطلاب في صبر، ليستذكروا ما يقوله، ثم يعيدوه. ذلك هو المفهوم البنكي للتعليم الذي تحدد فيه دور الطالب، كمستقبل للمعلومات، يملأ بها رأسه ويخزنها دون وعي.

إن هذا الاسلوب التعليمي يعيق فرص الابداع والتطوير عند الإنسان، ويحرم عقله من ممارسة حق السؤال والتساؤل، لأن كسب المعرفة والتطور عند الانسان إنما ينبثق من الابداع الذي هو وليد القلق المستمر، من خلال الإجابة على التساؤلات التي تفرضها حقائق الحياة، والواقع الراهن الذي يعيش فيه، بينما مهمة التعليم البنكي تتركز في تقليل القدرة الإبداعية عند الطلاب، أو الغائها تماما، والقاهرون يتصرفون ويعملون ضد أي محاولة في التعليم تستهدف تنمية الملكة النقدية عند الطالب.

إن مهمة التعليم البنكي، كما يكشف باولو، تتركز في تقليل القدرة الإبداعية عند الطالب، أو الغائها تماما، من أجل خدمة أغراض القاهرين، الذين لا يرغبون في أن يصبح العالم مكشوفا لهؤلاء، أو يصبح موضوعا للتغيير، فالقاهرون يتصرفون بغرائزهم ضد أي محاولة في التعليم تستهدف تنمية الملكة النقدية، فكلما تحول الطلاب في إطار التعليم البنكي إلى مجرد مخازن للمعلومات، كلما قل وعيهم بالعالم المناط بهم تغييره، فقبولهم لهذا الدور السلبي المفروض عليهم، يعني بالضرورة تأقلمهم المستمر مع الواقع المفروض عليهم، والمعرفة المبتسرة التي أريد لها أن تملأ عقولهم.

لعل من إشكاليات التعليم التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية، كما يقول الكاتب عبد الله المطيري، تكمن في مضمون المعرفة التي تقدم في المدرسة، وفي العلاقات المبثوثة داخل هذه المعرفة، والتي يمكن أن تنشأ بسبب هذه المعرفة بين المتعلمين والعالم، مضيفا أن هناك إشكال كبير مع الأيديولوجيا المبثوثة في المعرفة المقدمة للمتعلمين والمتعلمات، فهذه الأيديولوجيا هي العين التي تحيط وتراقب كل ما يتعلمه الأطفال، كما أنها العائق الأكبر لأي محاولة لتحويل عملية التعلم إلى عملية ديمقراطية، وذلك لعدة أسباب كما يشرح الكاتب، منها:

أولا أن هذه المعرفة المقدمة معرفة مغلقة، بمعنى أنها معرفة مقدمة على أنها معرفة منجزة ومكتفية بذاتها وليس على المتعلم إلا تبنيها وإتباعها. وهنا يصطدم عقل المتعلم بعقبة جوهرية، وهي أن هناك شخصا آخر قد قرر نيابة عنه ما هو الحق وما هو الباطل، وأن هذا الشخص يمنعه من الاعتراض عليه والاختلاف معه. المتعلم هنا يتحول إلى أداة سلبية لتنفيذ معرفة منجزة مسبقا. هنا نقف أمام معرفة ضد ديمقراطية باعتبار أن الديمقراطية تعني في جوهرها أن يتحول الإنسان إلى فاعل ومنجز لحياته.

ثانيا: المعرفة المقدمة للطالب في التعليم العربي معرفة تغطي مجالات الفكر والسلوك الأساسية، فهي تعطي إجابات نهائية في الأخلاق والسياسة والاجتماع والثقافة، مما يجعلها بمثابة الحجاب للعقل والروح معا. المعرفة المقدمة تكرر مقولة إن كل شيء مقرر سلفا وتضيّق حدود مساحة المشاركة الشخصية إلى مساحات في غاية الضيق والمحدودية. ولذا فإنه إذا كان التعليم الديمقراطي يسعى لخلق إمكانات جديدة لمشاركة المتعلم في الحياة الخاصة والعامة، فإن مضمون التعليم العربي الحالي هو إغلاق الباب أمام أي إمكانات.

ثالثا: المعرفة المقدمة للمتعلم العربي معرفة فوق إنسانية. بمعنى أنها لا تقدم على أنها اجتهادات إنسانية وخلاصات لتجارب بشرية بقدر ما تقدم على أنها معرفة متعالية، باعتبارها معبّرة عن الحق المطلق الذي لا يقابله إلا الشر المطلق. والمعرفة هنا تخلق علاقة استبدادية مع المتعلم، باعتبار أنها متعالية عليه، وخارج نطاق فهمه، ومتسامية على نقده واعتراضه. الجميع يعامل الفرد على أنه جزء من قطيع محدد الطريق والاتجاه، وليس للعصيان من حل سوى الإبعاد والنفي.

رابعا: المعرفة المقدمة للطالب خصوصا في العلوم الإنسانية معرفة مصطنعة، باعتبار أنها لا تنطلق من اعتبار التجربة الخاصة للطفل والمراهق، بقدر ما هي تعبير عن خطة محكمة لصياغة إنسان بمواصفات محددة ليحقق مهمة محددة. إنها عملية أشبه بإنتاج المنتجات المادية، فالمدرسة تتحول هنا إلى أداة تحقق رغبة صاحب المصنع وطلب السوق. المتعلم هنا هو موضوع لإرادة أخرى. في هذه الظروف تتحول المدرسة إلى مكان مؤلم للعقل والروح، مكان غريب واصطناعي.

إن هذه النقاط الأربع السابقة هي تمظهرات لحالة واحدة، وهي عدم الاعتراف بحرية الإنسان. أي عدم الاعتراف بحقه في خلق حياته ووجوده ومشاركته الطبيعية في الحياة العامة. حالة تعبّر عن قيد هائل يحيط بالعقل والروح. المدرسة العربية فقدت روح المبادرة منذ زمن طويل، ولا تلعب سوى دور معيق لتطلعات الأفراد بحياة أفضل. [1] 

وهذا هو بالضبط ما حاول باولو شرحه في كتاب تعليم المقهورين، حيث يتضح من مفهوم التعليم البنكي وكأن التعليم هو منحة يتفضل بها أولئك الذين يعتبرون أنفسهم مالكيين للمعرفة على أولئك الذين يفترضون أنهم لا يعرفونها، غير أن إضفاء الجهل على الآخرين، هو في حقيقته من مخلفات فلسفة القهر، التي تجرد التعليم والمعرفة كليهما من خاصيتهما، كعمليتي بحث مستمر من أجل اكتساب الحرية.

لذلك يشجع القاهرون مفهوم التعليم البنكي، ويفرضون سيطرة أبوية على النظام الاجتماعي الذي يتلقى فيه المقهور تعليمه، فالناس/الانسان في نظرهم مجرد أشياء، أو كائنات متأقلمة، وسهلة القياد، حيث يريدون للإنسان أن يتأقلم مع ظروف القهر، وبالتالي السيطرة عليه واستغلاله.

خلاصة القول أن على هؤلاء الذين يمارسون أسلوب التعليم/التثقيف البنكي في حياتهم وسلوكهم، سواء كان ذلك عن قصد، أو غير قصد، وسواء كان ذلك في البيت، أو المدرسة، أو الجامعة، أو المسجد، أو أي موقع آخر، أن يكفوا عن ممارسة هذا الاسلوب، الذي لا يستهدف سوى تدجين الإنسان واستعباده والسيطرة عليه وإخضاعه، فالتعليم/التثقيف الحق هو ذلك الذي يعمد إلى حل وإزالة التناقض بين الأستاذ كسيد، وتلميذه كعبد، إلى صيغة ومعادلة مختلفة، يصبح فيها الطرفان أساتذة وطلاب في ذات الوقت، بعيداً عن أسلوب التعالي والتكبر والعلو.

[1]  تعليم الديمقراطية بمعرفة ضد الديمقراطية. عبد الله المطيري. جريدة الوطن السعودية. 04/01/2012