آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 5:19 م

تعميق الأزمة

ناصر موسى الحسين صحيفة لوسيل القطرية

يمكننا القول إن النهم الاستهلاكي اليوم هو نتيجة طبيعية لغياب التنسيق بين «الاقتصاد» و«التربية». صحيح أن المؤسسة الاقتصادية ليست مسؤولة إدارياً عن تربية المجتمع، فهذا دور منوط بوزارة التربية والتعليم، ووزارة الثقافة والإعلام، ولكنها - أي المؤسسة الاقتصادية - مسؤولة أخلاقياً عن التبعات التي تخلفها دوائرها الاقتصادية.

يُنظر إلى الإعلان باعتباره ظاهرة مرتبطة باقتصاد السوق، إذ يُعد من أدوات الترويج للمنتجات والخدمات، وهو يمثل سوقاً اقتصادية ضخمة، فمن المتوقع أن يصل حجم الإنفاق على الإعلان الإلكتروني وحده إلى مليار دولار بحلول عام 2017.

أما حجم الإعلانات بشكل عام فقد سجل 531 مليار دولار عام 2015.

وإذا كان الإعلان الأول الذي رصدته الأبحاث «نشر قبل 5 آلاف سنة» تناول دعوة إرجاع حق لصاحبه، فإن التعريف الحديث للإعلان لا يتناول مبدأ الحق، وإنما مفهوم المصلحة حيث يعرّف بأنه «علم وفن التقديم المغري والمؤثر للسلعة أو الخدمة أو الفكرة أو التسهيلات في جمهور المستقبلين بوسائل الإعلان المختلفة لسلوك الطريق الاستهلاكي الذي يرضى عنه المعلن والمنتج معاً مقابل أجر مدفوع تظهر فيه صفة المعلن». ومن هنا جاء وصف «جيرار لانيو» للإعلان بأنه يدفع المستهلكين «دون وعي منهم بإمكاناتهم» نحو الطريق الاستهلاكي الذي يحقق رضا المنتج والمعلن معاً، بل يكمن سرّ نجاحه في قدرته على تحريك فعالية عواطفنا اللاواعية، كما أنه يساهم في خلق أنماط استهلاكية، ويقلل من فرص الإنتاج المحلي لدى مجتمعات العالم الثالث.

في المقابل، يخضع الإعلان - غالباً - إلى قوانين وضوابط، وإلى رقابة مباشرة من جهات مختلفة مثل وزارات الإعلام والبلديات، وغير مباشرة كمؤسسات المجتمع المدني.

وتقوم هذه الرقابة على تحقيق مصالح متفاوتة وفقاً للجهات التي تمارسها، فبعضها يهتم بضبط أخلاقيات المادة الإعلانية لتتوافق مع القيم الاجتماعية من قبيل المواطنة والأمن والتعليم والصحة.

وبعضها يسعى للتقليل من الضوضاء البصرية، فيما تسعى أخرى إلى تحقيق موارد مالية فحسب.

كغيره من المفاهيم السوسيواقتصادية يخضع الإعلان لثنائيات جدلية من قبيل «حرية/‏ ضوابط» «زيادة الإنتاج/‏ ترشيد الاستهلاك» مما يجعل من معالجة مصاديقها الخارجية غاية في التعقيد.

ويمتد التعقيد ليشمل فرضية أن يكون المُنتِج «الطامح لزيادة مبيعاته عبر الإعلان» هو نفسه الداعي إلى ترشيد الاستهلاك. وفي هذا الوقت حيث الأزمة التي تعصف بجيوب المواطنين، والتي تستدعي الاهتمام بتقليص النفقات، فإن من الضروري طرح هذه الأسئلة والإجابة عنها:

كيف نتيح حرية الترويج الإعلاني ونحقق في الوقت نفسه إنجازاً على مستوى الترشيد؟ من المسؤول عن حماية المجتمع من توحش الإعلان؟ وهل ينبغي أن تكون قناة التوجيه نحو الاقتصاد والترشيد مختلفة عن القناة التي تدغدغ رغبة المستهلك في الشراء اللاواعي؟ وما هي الآليات التي يمكن من خلالها وضع ضوابط أمام الاستغراق المفرط في التوجيه الإعلاني نحو الاستهلاك؟ ماذا عن ربط تقييم أداء المؤسسات بالمسؤولية الاجتماعية ومن بينها التثقيف الاقتصادي عبر الإعلان؟.

الخلاصة: تواجه مجتمعات العالم الثالث تحديات مختلفة من بينها ضبط السلوك الاستهلاكي عبر تمييز الحاجات الحقيقية من الزائفة، وهذا يتطلب جهوداً مشتركة من جميع مكونات الدولة والمجتمع، وأن يتركز السعي لوقف تغوّل الإعلان الذي يقول عنه «هربرت ماركوز» إنه يفرض على الفرد من الخارج حب وكره ما يحبه ويكرهه الآخرون، تماماً كما يفرض الاسترخاء والتسلية والاستهلاك.