آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

الإعلام.. وفتنة الشعائر الحسينية

أيمن رجاء النخلي *

في الآونة الأخيرة تزايدت الأصوات الناقدة للتطبير من جهة، والأصوات المؤيدة من جهة أخرى، ونار الإختلاف تستعر شيئاً فشيئاً. أصحاب الرأي الأول يرون أن التطبير يشوه صورة التشيع، ويختزل ثورة الإمام الحسين في بعض المظاهر التي تبدوا على أنها طقوس لحضارات غابرة بعيدة عن الوعي وعن الزمن الحاضر. ومن جهة أخرى، فإن أصحاب الرأي الثاني المؤيدين للتطبير، يرون أنها أحد الشعائر المهمة التي لابد وأن يحيوها لإحياء ثورة الإمام الحسين ، والمطالبة بعدم التنازل عنها لإرضاء المخالفين. وكل طرف يملك ما يملك من أدلة أو فتاوى أو تحليلات تؤيد رأيه ورئيته.

الإعلام الغربي والإسائة للشعائر

وإذا أردنا الرجوع إلى جذور المشكلة، للوصول إلى آليات العلاج. علينا أن نلاحظ أن المشكلة الحقيقية ليست في جواز التطبير من حرمته، وليست في هذا الطقس أو ذاك، وليست في إختلاف المراجع حول هذه المسألة أو تلك. إن المشكلة الحقيقية هو في إختزال الإعلام الغربي لمراسم وفعاليات عاشوراء في بعض الطقوس، وإغفاله عن الفعاليات الوضائه والمفيدة.

وحتى لو منعنا بعض الطقوس، مثل المشي على الجمر مثلاً، لكي لا يستخدمها الإعلام في تشويه المراسم، فإن ومؤسسات الإعلام الغربية سوف تستأجر بالمال من يقوم بالطقوس التي تشاء، وتظهرها وكأنها من طقوس عاشوراء. إذاً المشكلة الحقيقية هي في تشويه صورة عاشوراء في الإعلام الغربي، أو في مؤسسات برامج التواصل الإجتماعي، ومحاولة خلق مواد إعلامية تجعل من مراسم عاشوراء محل للسخرية، أو مظهر للخرافة.

إذاً المشكلة الحقيقية هي أن مؤسسات الإعلام الغربي تعمل على تشويه الصورة المشرقة لعاشوراء من جهة، ومن جهة أخرى تعمل على إثارة الفتنة الشيعية الشيعية وشق عصا الوحدة.

وحتى لو كان هناك عملاء ومخربين داخل الصف الشيعي، علينا أن لا تنزلق أرجلنا لساحة الصراع الطائفي أو المتعصب. إن أي تعصب أو جدال أو محاولة لإقصاء أي طرف، هو إنزلاق للقدم إلى ساحة العصبية والطائفية والخلافات ومن ثم الفرقة. وبالتالي نجاح لمشاريع الفرقة والإضعاف والتخريب والإفساد.

أهمية الجانب الإعلامي لثورة الإمام الحسين :

لقد أولى الإمام الحسين أهمية بالغة للدور الإعلامي لثورته الخالدة، وهذا يدل على أن الجانب الإعلامي هو حجر أساس لانتصار ونجاح ثورة الإمام. وكذلك فإن على أنصار الإمام الإهتمام بالجانب الإعلامي بالدرجة الأولى. فمن مظاهر إهتمام الإمام الحسين بالإعلام وإعطائه الأهمية البالغة، هو خروجه من المدينة إلى مكة للحج، لكي يلتقي ويجتمع بالعدد الأكبر من المسلمين لإعلان ثورته. فالإمام كان يستطيع الخروج من المدينة مباشرة إلى العراق، أو أن يخرج من مكة قبل موسم الحج وأن لا يحرم للحج. ولكن خروجه إلى مكة جعل الكثير من المسلمين يخرجون إلى مكة ليحجون بحج الإمام. وكذلك فإن إحرامه للحج، ومن ثم إحلاله من إحرامه يوم التروية، وخروجه من مكة قبل يوم عرفة، يشكل صرخة إعلامية لأهمية الأمر المقبل عليه. وأن خروجه للعراق لم يكن سفراً عادياً، بل كان تحركاً ثورياً.

وكذلك من مظاهر إهتمام الإمام الحسين بالجانب الإعلامي هو حمله للفواطم معه، وكذلك حمله للإمام زين العابدين كمبلغين وإعلاميين رساليين، وجزء لا يتجزأ من نجاح ثورته. فخطب الإمام الحسين في مكة قبل خروجه، وإعلانه أسباب خروجه والرسالة الأساسية لثورته وهي الإصلاح في الأرض، وخطبه يوم عاشوراء، ومن ثم خطب السيدة زينب، وأم كلثوم، وفاطمة بنت الإمام الحسين عليهن السلام، وكذلك خطب الإمام زين العابدين كانت تشكل الجانب الإعلامي والثقافي للثورة. فلولا هذه الخطب لتم تشويه الثورة إعلامياً أيما تشويه.

قتل الأنبياء وتشويه سيرتهم إعلامياً

إن أشد أنواع القتل للأنباء والأئمة والصالحين هو ليس فقط في تصفيتهم جسدياً، رغم عظم ذلك عند الله، بل أيضاً في تشويه سيرتهم النبيلة، وتحريف أهذافهم السامية الآخروية، واتهامهم بالأطماع الدنيوية. لأن ذلك ليس فقط إتهام لشخصياتهم النبيلة، ونواياهم وأعمالهم الصالحة، بل أيضاً حرمان للبشرية من الإستفادة منهم، وإيقاف لحركتهم الإصلاحية، وبالتالي صرف الناس عن القيم والرسالات الإصلاحية، وإبعادهم عن ذكر الله وعن الصلاة الكاملة للخالق، ودعوة نحو الإنحراف الأخلاقي والفساد وانحطاط القيم.

لذلك فإن الذين يتهمون الإمام الحسين في ثورته الإصلاحية، ويريدون أن يصبغوا خروجه على يزيد بالخطأ وبالأطماع الدنيوية، ويقولون أن خروجه كان خطأ، أو أنه قتل بسيف جده، فإن هؤلاء يعدون من قتلة الإمام الحسين ، ولا ينقصون إثماً عن قتلته يوم العاشر. لأنهم يبرئون القتلة من إثم دمه الشريف من جهة، ومن جهة أخرى يطمسون رسالته الخالدة وقيم الإصلاح التي دعا إليها في الأمة.

ليس فقط من يتهم الإمام في خروجه يعتبر من قتلته ، بل أيضاً من ينهى عن إقامة مراسم عزائه وإحياء أمره، أو يسخرون من شعائره، ذلك لأنهم أيضاً يساهمون في طمس أهدافه النبيلة، ويصدون الناس عن رسالته الإصلاحية والاستفادة من قيمه السامية.

القرآن وإحياء سيرة الأنبياء والصالحين

إن إحياء سيرة الأنبياء والأئمة والصالحين، لا يقل أهمية عن نصرتهم في حياتهم. إن النصرة الحقيقية لهم تكون بإحياء مسيرتهم الصالحة، والقيم الصحيحة التي ضحوا بأنفسهم من أجلها، والمواقف الجلية التي قاموا بها لنصرة الحق والسعي في سبيله، والعمل في رسالتهم لإصلاح البشرية، ورفض قيم الفساد والإنحراف والظلم والطغيان. لذلك نجد القرآن الكريم يروي قصص الأنبياء، ويخلد مواقفهم الصالحة، ويذكر القيم الصحيحة التي عملوا من أجلها، والحياة الخالدة التي وعدوا بها. ومن جهة أخرى يبين مسيرة الظالمين وسوء منقلبهم، والقيم الفاسدة والخاطئة التي عبدوها، والمنقلب السيء والخسران المبين الذي آلوا إليه.

لذلك فإن إحياء سيرة الإمام الحسين ورسالته الخالدة وإقامة مراسم عزائه هي إقتداء بمسيرة القرآن الكريم في إحياء سير الصالحين، وإحياء للقيم التي أحياها القرآن، ورفض الإنحرافات البشرية التي نهى عنها القرآن الكريم. فهي من الأعمال الصالحة والجليلة لإحياء رسالة الصالحين، وإصلاحاً في الأرض. وإن الذين ينهون عن مراسم عزاء الإمام الحسين يعملون على طمس القيم الصالحة، ويصدون عن سبيل الله، وقل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.

يتبع،،،

كاتب من المدينة المنورة