آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 5:19 م

كلمة جارحة وأخرى طيبة

ابراهيم الزاكي

الكلمات والجمل التي نستخدمها في الكلام والحديث والكتابة، لها مفاعيلها الايجابية أو السلبية مع من نتحدث معه ونخاطبه، فنحن نشعر بالارتياح والانشراح والرضا عندما نسمع كلمة طيبة تُقال أو تُكتب، كما أننا نشعر بالضيق والاشمئزاز والنفور والتقزز عندما نسمع أو نقرأ كلمات غير مؤدبة ومؤذية، كالشتائم والسباب، أو تلك الكلمات التي تنطوي على تحقير وتجريح واستخفاف، أو تلك التي تحمل كلاماً بذيئاً وألفاظاً نابية تخدش الحياء والعفة والكرامة.

فكم هو مهين ومستفز التهجم على الآخرين بالكلمات الجارحة، والألفاظ البذيئة، سواء كان ذلك من على المنابر الدينية، أو عبر المنابر الصحافية، أو من خلال البرامج التلفزيونية، واتهام الغير بأوصاف غير لائقة ومسيئة، تؤذي السمع وتثير الأعصاب، وذلك على مرأى ومسمع الملايين من القراء والمتابعين والمشاهدين، إذ هو أمر لا يسهم في وحدة المجتمعات وتضامنها وتآخيها، بل هو يزيد في فرقتها، ويؤجج صراعاتها البينية، ويبث روح الكراهية والعداء والتنافر فيما بينها.

إنه لأمر مسيء استخدام المنابر، على أشكالها وأنواعها، من أجل الإساءة للآخرين، ورميهم بأفظع العبارات المهينة، وقذفهم بأسوأ الأوصاف المرذولة، من دون التزام بقيم، ومن دون رادع من دين أو ضمير، ومن دون حسيب أو رقيب، أو خشية من عقاب. في الوقت الذي يجب أن تكون فيه الخطابات المنطوقة والمبثوثة والمرسلة عبر هذه المنابر تتسم بالرشد، والتوجيه السليم، والإرشاد النزيه، وتبنى لغة الوحدة والحوار والمحبة والتآخي والتسامح، والدعوة إلى نبذ الفرقة والشقاق والفتن.

إن هذه اللغة من الخطاب ليست حالة معزولة واستثنائية، بل تحولت إلى عادة تتكرر كل حين، ومن دون مبرر، وكأن الهدف منها هو بث الكراهية والعداء بين الناس تحت عناوين دينية ومذهب وطائفته وقومية، من خلال استدعاء حوادث التاريخ حيناً، وأحياناً أخرى من خلال بث وعرض أخبار وتقارير وقصص مختلقة ضد الآخر تزيد من حدة الفرقة والاستقطاب، مما يتسبب في تهييج النفوس، وإثارة الضغائن، والتقاذف بالاتهامات الجارحة، وهو الأمر الذي دائماً ما يخلق جروحاً غائرة في النفوس يصعب اندمالها، وتظل مفتوحة على مر الزمن.

إن الظروف الصعبة المحيطة بنا تستدعي الحرص في انتقاء لغة الخطاب عند الحديث والكلام والخطابة، أو في حالة نشر التقارير الصحفية وكتابة المقالات، من أجل تجنب استعمال الكلمات الجارحة، فنحن أحوج ما نكون إلى الكلام الحسن، والكلمات الطيبة والحكيمة، التي تقرب ولا تبعد، الكلمات التي تساهم في التكاتف والتعاضد والتضامن ولم الشمل، حتى يمكن عبور هذه المرحلة الخطرة بأقل الخسائر الممكنة. فليس من المعقول في ظل هذه الأجواء المشحونة والمتوترة صب الزيت على النار، والتسبب في انتشار نيران الحرائق المشتعلة في الجوار، بل المطلوب حصر هذه الحرائق ضمن حدودها، والمساهمة بالكلمة الطيبة، والدعوة بالتي هي أحسن، في إطفاء نارها وإخماد لهيبها.

الحكمة تقتضي عدم السماح لدعاة الفتنة والتحريض على الكراهية تبوء منابر الكلمة واستغلالها في توتير أمن مجتمعاتنا واستقرارها، وإشغال الناس في قضايا ومعارك غير ذات جدوى، تحصد الأخضر واليابس، ولا تعود بالخير على أحد، إلا تحقيق مصالح مشعلي الفتن، أصحاب لغة التحريض ومنطق الفتنة، سواء تم بث أو نشر أقوال هؤلاء وكلماتهم عبر المنابر الدينية، أو عبر المنابر الصحفية.