آخر تحديث: 26 / 10 / 2021م - 7:33 ص

أولوياتنا الاقتصادية

ناصر موسى الحسين صحيفة لوسيل القطرية

الأولويات الاقتصادية وتشخيصها يعد من القضايا الاستراتيجية والأعمدة الرئيسية لأي نهوض أو إصلاح سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو غير ذلك، وهو يتسع للشؤون الكبيرة كما الصغيرة، وممارسته ضرورية لتحقيق أي نجاح. ورغم أهمية تحديد الأولويات في حياتنا إلا أننا - وللأسف الشديد - لا نحتفظ بعلاقة ودٍ معه لأنه قد يتضارب مع رغباتنا، وربما ما نلمسه من إخفاقات في برامجنا إنما نتيجة غياب هذا المفهوم.

وتؤكد معظم الأبحاث، التي تناولت قضايا التخطيط للمستقبل عند الأفراد، حقيقة أن الأبناء لم يستطيعوا تحديد أولوياتهم لأنهم لم يعتادوا على ذلك. ورغم أن الأبحاث رصدت هذه الإشكالية التربوية الخطيرة، غير أنها لم تتعمق في أبعادها، ولم تقترح حلولاً من أجل تنمية الشعور بأهمية تحديد الأولويات في الحياة، واكتفت بالوصف والتحذير الخجول من مخاطر الفوضى وعدم وضوح الرؤية في التخطيط للمستقبل.

الطلاب - مثلاً - تائهون لا يعرفون ماذا ينبغي أن يكونوا عليه في المستقبل. يتخرج كثير منهم في تخصصات ليست بالضرورة ضمن أولوياتهم ولا أولويات سوق العمل، وكثير من الآباء أو الأمهات الذين تقع عليهم مسؤولية إدارة البيت وتحديد الأولويات التربوية والمالية هم أيضاً يستجيبون للرغبات أكثر من الاستجابة لثقافة الأولويات، فيكون الإنفاق في الكماليات على حساب التعليم والصحة.

الاقتصاد هو الآخر ضحية غياب مفهوم الأولويات، وإذا ما بقينا هكذا فإن الواقع الاقتصادي المتأزم حالياً سيكون أسوأ. صحيح أن الأزمة التي تمر بها دول المجلس لها أسباب مختلفة، لكننا نستطيع الجزم أن وزارات التخطيط والاقتصاد لو أنها كانت قد وضعت أولوياتها الاقتصادية، أو أتقنت ترتيب تلك الأولويات، لما كنا اليوم ضحية التقلبات في أسواق النفط العالمية.

وعندما تعلن الدول موازناتها، تنطلق إعلامياً مقارنات حول الضرورات الفعلية وأسباب فوز قطاع على آخر في أرقام المخصصات، هذه النقاشات تأتي - غالباً - في صيغ تمجيد، بدلاً من النقد ومحاولة قراءة التوزيع بناء على سياسة تحديد الأولويات.

من نافلة القول إن تحديد الأولويات ليست قضية سهلة مطلقاً، فهي معقدة جداً وتتداخل فيها المصالح الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وقد أشار برنامج «النظام العالمي للتنمية المستدامة «GSSD» إلى هذا التعقيد الذي يرتبط بتعقّد متطلبات الاستدامة، وهي محور رئيس في تحديد الإولويات، حيث تتطلب «اتباع نهج عالمي متعدد التخصصات للتحليل ووضع السياسات واتخاذ القرار، وهذا يعني أنّ على أصحاب المصلحة من المنظمات الحكومية والعلمية والصناعية أن يتوصّلوا إلى مفهوم مشترك للقضايا والتحديات الكامنة، مع الوصول إلى قواعد المعارف المرتبطة، والبيانات الأساسية، والخبرات ووجهات النظر المتعلقة. كل هذا يجب أن يحدث في ما هو فعليّاً أي في الوقت الحقيقي».

في الأولويات ينبغي طرح أسئلة كثيرة، دقيقة وتفصيلية «قد تبدو للبعض مقارنات غير منطقية» من قبيل: هل لتوطين الوظائف أولوية على التنويع الاقتصادي؟ أيهما أكثر أهمية: القطاع الصناعي أم المصرفي؟ أيهما أكثر تأثيراً في تحقيق الأهداف الاقتصادية الكبرى: التركيز على التعليم أم النهضة العمرانية؟ بم يجب أن نبدأ، بتعزيز قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، أم بالحركة التجارية وتنمية الصادرات؟

خلاصة القول: تحديد الأولويات الاقتصادية قضية مهمة ومعقدة تستدعي اهتماماً كبيراً من الجميع، إبتداءً بالأسرة مروراً بالمدرسة وبيئات العمل الصغيرة وصولاً إلى أعلى المستويات في الدولة، كما إنها عملية مستمرة تقتضي المراجعة الدورية للتأكد من سلامتها ولتكييفها بناءً على المعطيات الواقعية لكل زمان، وهي قضية ملازمة للتخطيط، وبالتالي تعد مرتكزاً لأي نجاح إذا ما أحسنا ممارستها، وسبباً للفشل إذا أهملناها أو أخفقنا في تحديد عناصرها.