آخر تحديث: 19 / 1 / 2022م - 1:55 م

دعوة للدخول في حوارات مفتوحة صادقة وهادفة مع كامل اطياف ابناء المجتمع

المهندس أمير الصالح *

شهر ديسمبر عام 1998، وقع اعتداء مسلح من قبل عصابة مخدرات على احد سكان مجمع مغلق، ادى الى مقتل الرجل القاطن في نفس العمارة التي كنت اقطنها بعد إصابته ب اخد وعشرون طلق ناري في اماكن متفرقة من جسده؛ والمنكوب هو شخص لاتيني الاصل ويحمل الجنسية الامريكية ويعتبر عضو في احد عصابات التجارة الممنوعة كما فهمت وكان الضحية يقطن في الدور الارضي ب العمارة السكنية الواقعة بمجمع سكني 2525 Old Farm، westheimer، Houston بالولايات المتحدة. هذا ما تم نقله لي من ادارة المجمع بعد رجوعي من اجازة عائلية كنت قضيتها بولاية امريكية اخرى يومذاك. انزعجت كثيرا للشعور بفقدان الامن، حينذاك، ولكن كما ذكرت من لطف الله بي وبأفراد اسرتي انا كنا في ولاية اخرى لقضاء اجازة نهاية السنة الميلادية يومذاك. هذا موقف ينم عن ان هناك بيئات فوضوية وذات افكار مختلفة تعيش حولي حتى وان كنت اقطن في وولاية ودولة متقدمة صناعيا كولاية تكساس وكدولة امريكا.

في موقف اخر، كنت في دولة عربية واتخذت شقة سكنية بمجمع فاخر عوضا عن اسئجار غرفة بفندق. وعند عتمة الليل وقع صوت قوي نتيجة انهيار جزء من مقسمات دولاب الملابس بالشقة التي اقطنها وعلى ضوء ذلك الصوت، سمعت جرس الشقة يُقرع بعد عدة دقائق. اندفعت نحو باب الشقة الرئيس وفتحت باب الشقة واذا بي ارى امرأة لابسه ملابس غير محتشمة وخلفها شاب يافع ببجامته. بدأت المرأة الغير محتشمة اللباس بالقول ”ايه الازعاج ده يا باشا“. لذت بالصمت بره ثم قلت: ”قد يكون صوت الازعاج الذي تبحثين عنه مصدره مكان آخر“. أغلقت الباب امامهما وراقبت من خلال ”peep hole“ عين الباب انصرافهما من امام الباب. لاحقا استفسرت من مسؤول الامن بالمجمع عن هكذا سلوك من المرأة والشاب. وضح لي بان هناك من الغانيات من يستأجرن شقق مفروشة في داخل المجمعات المغلقة في مواسم السياحة لاصطياد فرائسهم من السياح المحليين او الدوليين باغتنام اي حدث لكسر جدار الثلج ولا حداث محادثة للايقاع ب السياح وسلب اموالهم بطرق عدة.

هذان المثالان قد لا يكونا مثالان صالحين لـ التعميم الا إنهما يعكسان صور من صور النهايات والنتائج على شكل ظاهرة فردية او جماعية مع تقادم الزمن او سلوكيات شنيعة في حالة عدم الاستدراك والمعالجة في حينه. ففي المثل الاول انتهى سوء استغلال الحرية التجارية من قبل البعض او الغير منضبطة الى توليد تجار في الممنوعات ونشوء عصابات وقتلة ووقوع ضحايا.

في المثال الثاني قد يستنطق القارئ بانه في حالة انعدام الضوابط الشخصية للحرية وكذلك ذوبان القيم الاخلاقية لدى البعض، فقد تُسجل انتشار ترويج للرذائل ك العهر والفجور والاصطياد بحبائلهم.

نحن لا نعيش لوحدنا في هذا الكوكب هذه حقيقة ساطعة. وعلينا الاطلاع على ما يدور داخل وخارج المجتمع وفهم اجندات كل طرف. ولعل تماطر الموجات الفكرية المتناقلة عبر الوسائط الاجتماعبة واخرها موجة عالمية تحت عنوان ”جسمي خياري“ وهي تعرف باللاتينية“ my body، my choice“ فيها دعوة بدأت مبطنة واضحت سافرة لترويج الرذيلة من جهة والمطالبة بتدويل حق الإجهاض من جهة اخرى. في الاطار الاقليمي، سجلت انطلاق اصوات وان كانت ضعيفة حاليا، في بعض دول الشمال الافريقي، تدعو الى قراءات جديدة في تعريف العلاقات البينية بين مجمل الاطراف البشرية تروج للعلاقات الحميمية خارج اطار منظومة الاسرة وتطالب باسقاط اي قوانين تحريمية او جزائية لتلكم العلاقات الآثمة. في يومياتنا المعاشة، نرى انطلاق تصورات وطقوس وإفتاءات متعددة من ابناء الدين الواحد حتى اضحى هناك دين داخل كل فرقة تابعة لكل مذهب تابع لكل دولة داخل كل امة.

في النطاق المحلي ايضا، نُسجل موسميا مشاغبات بين من يدعون بانفسهم انهم من الفكر الليبرالي او العلماني او الاسلامي او الحداثي او البرجماتي. فالأشخاص الاسلاميون التوجه يشككون في دعوات الليبراليون والعلمانيون والحداثيون، والعكس صحيح. وفي العادة الاسلاميون يستشهدون بنماذج اوربية او غربية لما آلت اليه الحياة الاوربية من ثورات جنسية وارتفاع مستوى الاستهلاك الاعلامي والسينمائي لجسد وعفة وكرامة المرأة. ويكون الجواب من الفريق المدافع عن القيم الليبرالية بان هذا التشخيص ضيق والنظرة مؤطرة والاستشهادات شاذة. وفي المقابل يشن العلمانيون والليبراليون والحداثيون هجوم على الاسلاميين بان تخلف المسلمين ناتج عن تقوقعهم وعيشهم في حقب التاريخ الماضية وتجميد العقل واسقاط الاخر وقتل حرية الحوار الهادف بأحكام مسبقة وتكاثر الاقتتال الداخلي لانعدام التسامح وكثرة الوصاية على الاخرين وتعدد المتكلمين باسم الله ووجود نماذج فاشلة في ارض الواقع تتكلم باسم الدين والاسلام. فيرد الاسلاميون بان التشخيص خاطئ لافتقار الجهة المشخصة للموضوعية والدقة في القراءة وجهوزية قوالب التصنيفات المسبقة الاعداد والاستشهاد بالنشاز من الارهابيين وشذاذ الافاق.

كفرد من افراد المجتمع الانساني في هذا الكوكب الجميل، اسمع واشاهد تجاذبات التيارات المتعددة واسجل الصراعات بين اليمين واليسار لمعظم التيارات في المحيط القريب والبعيد. نعم هناك مد لليسار الفكري في احد المجتمعات وهناك مد يميني للفكر والايدولوجيات في مجتمع اخر، كما وانه هناك تقلبات للاعبين او انقلاب اعضاء بين هذا المشهد او ذاك. ليس انت او هو من يعيش في هذا العالم لوحده ولكن هناك اطياف بشرية مختلفة يحب التعايش معها بسلام. لابد ان تفتح قنوات التواصل الفعّال بين ابناء المجتمع الواحد وان تعددت الاتجاهات لايجاد معالجات ومساحات مشتركة لان القطيعة او التهكم او الاستهزاء او الاقصاء بين ابناء المجتمع الواحد او ابناء الوطن الواحد ليس بحلول فاعلة. ومن هذا المنبر نطالب الجميع على مدى الاعوام القادمة بفتح قنوات اتصال وندوات هادفة يطرح فيها كل فريق رؤيته ويعرض حلوله لمشاكل مجتمعه اقتصاديا واجتماعيا وفكريا وحضاريا وخدماتيا وتعليميا وينمى المساحات المشتركة بين كل الاطراف ويعمق روح الانتماء بقدر العطاء والبذل والخدمة ولتفويت الفرصة على المتُّاجرين باسم الحرية او الدين او السلام او العلمنة او الحداثة.