آخر تحديث: 19 / 1 / 2022م - 12:18 م

صراع الفرص وفرص الصراع

المهندس أمير الصالح *

في احد مناطق الخليج العربي، معظم خريجي الثانوية ذوي المعدل العالي للاعوام 1977 وحتى مشارف 1987 ميلادية اتجهوا للعمل بالشركات الكبرى وبعضا منهم التحقوا بالدراسات الاكاديمية نظام الابتعاث الحكومي او الابتعاث من قبل الشركات الكبرى واخرون التحقوا بكليات الطب والهندسة؛ وفي المقابل فان معظم خريجي الثانوية ذوي المعدل المتدني التحقوا بالدراسات الدينية او الادبية او الاجتماعية، او هكذا رصد معظم الناس وان كانت هناك استثنائية الا انها قليلة نسبيا.

كان استحقاق لقب المبتعث سواء ابتعاث داخلي او خارجي على حساب احد الشركات الكبرى او الجهات الرسمية يتطلب معدل درجات عالية في سجل الشهادة الثانوية؛ وكذلك استحقاق الالتحاق بكليات الهندسة والطب في الجامعات الحكومية يتطلب معدل مرتفع، ايضا. بينما ابواب كليات العلوم الدينية والتربوية والاجتماعية، كان يوجد بها سقف شروط ادنى للقبول بحاملي شهادة الثانوية وينتهى معظم ذوي الدرجات المتدنية للالتحاق باخد تلكم الكليات.

في حقبة الثمانينات، كانت هناك محطات تدفقات النفط المالية متصاعدة بشكل عام على دول اعضاء منظمة الاوبك وان تذبذب سعر النفط بعض الفترات هبوطا. وكان معظم الناس منتعشين ماليا وميسوري الحال نتيجة لعجلة النمو المتسارعة وتكاثر الفرص وتوافر السيولة النقدية بشكل كبير جدا. بعد مرور عقد من الزمن، رجع معظم المبتعثون حاملين شهاداتهم الاكاديمية ومعظمهم تبوؤا وظائفهم وتدرج البعض بشكل متسارع وأحرزوا مناصب كبيرة او قيادية. انشغل حينذاك معظم الأكاديميون المنخرطون بالشركات باعمال شركاتهم وتحسين مراكزهم الوظيفية سعيا جادا ودؤوبا لبلوغ طموحهم وتحقيق احلامهم المهنية؛ كما انشغل اصدقائهم من خريجي الكليات الفقهية والادبية والتربوية في اشغال وظائف اداريةاو إرشادية او تعليمية.

مضت السنون وتسارعت الاحداث وتغيرت المعطيات واُبتكرت تقنيات الاتصالات بنسخ متعددة ومتطورة، حتى اصبح العرف السائد اجتماعيا في التسعينات، بان خريجي الثانوية واصحاب الدرجات العليا يلتحقون بكليات الطب او الهندسة وخريجي الثانوية ذوي الدرجات المنخفضة يلتحقون ب كليات اقل شروطا ك كليات الفقه والآداب والاجتماعيات.

مع تقادم السنين، اضحى البون الفكري شاسعا والبون الطبقي المالي صادحا بصوته الا ان المكاشفة والافصاح عن ذلك يُسمع في بعض المجالس همسا وبين بعض الاصدقاء وفي بعض الديوانيات المغلقة. كل مجموعة اجتماعية او جزء منها بخلفيتها العلمية او الادبية اخذ يصعٓد من الغلو في المطالبة باظهار الانتماء لتجمعه ليميز كل تجمع نفسه عن الاخر. وانشطر داخل كل تجمع عدة انشطارات نتيجة للقراءات الفكرية المتعددة وتوالد الافكار الملونة وتوافر اساليب التعبير والنشر للافكار لاسيما مع انتشار تطبيقات الوسائط الاجتماعية في بداية الالفية الاولى من القرن الواحد والعشرين. فمثلا بعض من اهالي التجمع الاكاديمي والتجاري الذين أحرزوا مُرتبات ودخول مالية عالية، انفرد بعضهم بحياة مترفه وامتلاك عقارات في عدة اماكن عالمية واخرين منهم اصطفوا لتكوين وجاهات اجتماعية تحالفا مع بعض رجال الدين او مع تجمعات تحمل راية مناهضة لتوجه الديني؛ واخرين من الاكاديميين، وهم كما يبدو الاغلب من التجمع الاكاديمي، لم يكن لهم اي توجه أيدولوجي متطرف في الاتجاه اليميني او اليساري ليس لهم الا الانغماس المهني والبروز الاكاديمي لحدة ذكائهم وتقوقعهم الاجتماعي وجودة مهاراتهم في نطاقات تخصصهم العلمية شغفا منهم في الانجاز العلمي وبلوغ الطموح الوظيفي.

تزايدت اعداد المتقاعدون من ابناء جيل السبعينات والثمانينات وكان عدد لايستهان منهم رواد الأكاديميون. احسن عدد كبير من المتقاعدين من ذوي الطاقة العلمية الوقّادة ان هناك غياب لاي مشروعات مميزة لرواد المجتمع ووجهاءه وفي ذات الوقت تفرد لون واحد بالساحة العلمية دونما انجازات طوال فترة الأربعون عاما الماضية، او هكذا يعبر البعض في أدبياته. لاحظ ايضا المنتقدون للوضع القائم اجتماعيا بان معظم ابناء المجتمع كان ومازال يعيش في احداث الماضي السحيق والتاريخ السردي وكرس قيادي المجتمع مفهوم الانفصالية عن الواقع بتكريس مفاهيم مؤطرة مسبقا كما سجل المراقبون انه خلال تلكم الفترة الماضية بروز تيارات متشددة ذات لون فكري واحد وصعود في مستوى فوضى الفتاوى ونشوب حروب عدة ونمو معدل التفاوت الطبقي وانحسار الفرص المالية نوعا ما. حدوث تغيرات اقليمية عدة ومحلية وهذا التضاد في الخطوط الفكرية ازداد في التعبير عنه مع سهولة التواصل الاجتماعي الفعّال. لاسيما حينما وجد اصحاب مستوى الذكاء «IQ» العالي انفسهم وقد شارفوا على عتبات سن التقاعد او أحيلوا عليه فعليا دونما اي انجاز مالي معتدا به او اي وجاهة اجتماعية مرموقة مقابل اصدقاءهم او من هم اقل سنا من الذين اتجهوا لتوجه ادبي او فقهي او هكذا يستشعر البعض؛ فاخذ بعضهم يحلل ويرصد ويعقد مقارنات بينه وبين حلقات او طبقات اجتماعية اخرى من مكونات المجتمع وتوصل بعضهم لنتائج متباينة عن سبب انحدار او ثبوت «stand still» مستواهم المعيشي والمالي لما بعد التقاعد مع وجود رصيدهم المهني العتيد وشهاداتهم العالمية العلمية بالمقارنة مع بعض خريجي المدارس الفقهية او الادبية او التربوية ومكاسب بعضهم. ولكون الفائض من الطاقة والوقت والخبرات المعرفية الموجودة لبعض المتقاعدين لاسيما المبكر منهم، بدأت دائرة المقارنات والبحث والتدقيق والرصد ومسائلة المخرجات والمسائلات في كل شاردة وواردة في حياة المترفين من خريجي العلوم الادبية والفقهية تزداد في الوسط الاجتماعي. فاثيرت اسئلة موسمية واثيرت اسئلة تندرج من باب من اين لك هذا واثيرت اسئلة حول تزاوج الدين بالتجارة واثيرت اسئلة حول اصطدام الدين والعلم و... و.....

اُستجلبت اسئلة وجيهة من زمن القرن الخامس عشر ميلادية واُستحضرت ارواح كتاب وعلماء موتى من القرن الثالث قبل الميلاد وطُرحت مفاهيم فكرية من القرن الثامن عشر للاستشهاد على وجوب التغيير وحرية المسائلة، وامتدت المناقشات في مواسم ضُيعت معها رموزية شهداء عظماء تحت سنابك السجال او لتسجيل نقاط ضد هذا الفريق او ذاك وازداد مؤشر المناكفة والترصد في كل يوم. التحق في ركب هذه الحوارات تعضيدا لجهة ضد اخرى بعض من الشباب المتحمس لمقارعة الاخرين وايجاد الثغرات عند اي طيف اجتماعي اخر لا يتوافق وميوله الفكرية. فارتفع رصيد المساجلات والملاعنات ونشر الغسيل في مواقع اليوتيوب والبالتوك والفيس بوك والتويتر حتى تساقطت الاخلاقيات واشتد سعير الفجور في الخصومة والاقصاء والتسقيط والمعاندة والمناكفة والتطاول على الكرامات وحتى بلغ بعضهم المجاهرة بلغة التكفير مع شركاء الدين والمذهب والوطن والقومية الواحدة بعنوان مختلفة.

السؤال قد ياتي على الشكل التالي في ذهن البعض:

هل محاسبة بعض الاكاديمين المتقاعدين وبعض اعضاء المجتمع لـ مكون اجتماعي واحد فقط في افكارهم واقوالهم وسلوكهم يتم بنية التصحيح والمراجعة ام انه يتم بنية الانتقام والمناكفة وهل سيتم الامر بشكل انحيازي ام انتقائي؟! ولماذا لا يوضع كامل جسم المجتمع بجميع مكوناته على منضدة التشريح لايجاد اجواء صحية في كامل الجسم؟! ماهو حجم الكعكة التي يتصارع عليها ابناء التيارات المختلفة؟!

الاسئلة اعلاه وجيهة من جوانب ومحزنة من جوانب اخرى؛ وقد يكون الجواب يكمن في النظرة ب 360 درجة ومقارعة كل جوانبه وقد يكون الجواب كل ٌو قناعاته وقد يكون الجواب الصمت المطبق او قد يكون الجواب هو الهروب من مواجهة الواقع.

نحن نعلم بانه قد يكون الأغلب من الناس لا ناقة لهم ولا جمل من كل الصراعات بين التيارات المختلفة. الا انني شخصيا ارى ان هذا السجال هو من باب: صراع الفرص وفرص الصراع.

فان احسن المجتمع اغتنام الفرص لفرز الغث من السمين في كل شؤونه فقد تكون النتائج النهائية الرجوع الى جادة الطريق ونفض الغبار عن النمو الفاعل واسقاط كل خرافة او قناع او متطفل او مخادع او مرتزق او اسقاط اي عمل قد يؤدي الى انتهاك للكرامات او تضييع للحقوق او التزلف للاخرين او سرقة للموارد او احتكار للمنافع. ومن جهة اخرى فقد يستغل البعض من داخل المجتمع او خارجه هذا الحراك ووتيرة النقد من مطالب مسائلة او تمحيص لموروث ويجيره الى فرصة لاشعال صراع داخل البيت الواحد او بين مدرستان فكريتان او السعي لالغاء ايدلوجية او تروبج لإلحاد وقد يؤل الرضع لاسامح الله بان ينبذ الاخ اخيه ان لم تفوت الفرصة على المتربصين ويتم اطلاق حوارات صادقة وتصحيح مايمكن تصحيحة. اتمنى ان تحول الازمات الى فرص بدل البكاء او التباكي على الانزلاق في زواريب الصراعات التحطيمية بين جميع الاطراف وإنهاك المجتمع في القيل والقال. نتطلع من الجميع روح النصح والاخلاص لدين الله ورد الجميل لاخلاق رسوله والموافاة بالحق لـ الائمة الاطهار وعدم التعاون مع اصحاب الخرافة او دعاة الفسوق او مروجي الاستغفال او مثبطي العزائم او دعاة الانفصال عن الدين.